الرئيسية » أهم الأخبار » بهاءالدين عبد الحميد يكتب: تسعير الخدمات الطبية آخر ابتكارات وزارة الصحة

بهاءالدين عبد الحميد يكتب: تسعير الخدمات الطبية آخر ابتكارات وزارة الصحة

دكتور بهاء عبد الحميد استشاري نساء وولادة

طالعتنا الصحف فى الأيام القليلة السابقة بأخر ابتكارات وزارة الصحة بإلقائها حجرا فى مياه ليست راكدة ولكنها مجمدة .

وأغلب الظن – وبعض الظن إثم – أنها عصا موسى ، ألقيت لإلهاء العامة والخاصة عن حال منظومة الصحة المتردية ، وهو ما سوف نتطرق إليه فى حديث آخر .

ذلك الابتكار هو مشروع تحديد قيمة الخدمات الطبية المقدمة في المنشات الطبية الخاصة من مستشفيات ومستوصفات ومعامل تحاليل ومراكز أشعة وعيادات خاصة .

الهدف فى ظاهره نبيل ، إلا أنه حق يبدو أنه يراد به باطل ، وحتى لا نكون ممن يلقى التهم بالباطل فسوف نتعرض فى حديثنا هذا للأسباب التى دفعتنا لهذا الزعم .

كان من الأولى على القائمين على المنظومة الصحية أن يكرسوا مجهودهم على مشروع حقيقي قابل للتنفيذ لإصلاح المنشات الحكومية المترهلة والمتهالكة ، التي لولا فسادها لما لجأ المريض للاحتماء بنار الخاص والاستجارة بلهيبه  ومنظومته التجارية التي لا ترحم . فلو وجد المريض ضالته في أحضان الحكومة لما لجأ إلى منظومة الخاص التي ينطبق عليها ما ينطبق على  سوق البيزينيس من عرض وطلب . وعلى ا لمريض أن يتوجه لمن يريد من الأطباء أو المستشفيات دون إجبار على شخص أو مكان بعينه .

ويتبادر للذهن فى أول الأمر سؤال بديهى : ما المعايير التى سوف يتم على أساسها تحديد قيمة الطبيب أو المنشأة ؟

هل الدرجة العلمية – هل سنوات الخبرة – هل موقع المنشأة – هل  فخامة وتجهيزات المنشأة – هل كم إقبال المرضى ؟

كلها تصلح معايير ، منفردة أو مجتمعة ، ولكنها معايير غير منصفة ، لماذا ؟

نعلم جميعا أن هناك أساتذة بالجامعات عياداتهم خاوية على عروشها ، إما لافتقارهم للمهارات الطبية أو أو للمغالاة فى قيمة أتعابهم فوق مقدرة الغالبية ، أو لأن من يدير عياداتهم ومراكزهم الطبية  فعليا بعض الأطباء الشبان الذين يعملون تحت مظلة الإسم الكبير ، أو  لأسباب أخرى لا مجال لذكرها .

 فى حين أن هناك بعض شباب الأطباء من يملك من المهارة والضمير و الوقت ما يمكنه من تقديم خدمة طبية جيدة مما يجعل عياداتهم مزدحمة بالمرضى خاصة ممن يعملون فى القرى والمناطق النائية .

ولا ننسى أننا كأشخاص كبإر السن تلقينا الخدمة الطبية منذ صغرنا على أيدى أطباء مهرة لايحملون إلا البكالوريوس أو الماجستير على أقصى تقدير، وذلك قبل أن تصبح البلد بلد شهادات كما قال عادل إمام . وقد كان لدى هؤلاء الأطباء من المهارة والضمير والعلم والوقت ما جعلهم يقدموا الخدمة الطبية اللائقة والمقنعة لمرضاهم ، إلا أن هذا المعيار لم يعد ذو قيمة بعد أن تدنت قيمة التعليم الجامعى ووصلت إلى الحد الذى أصبح حديث التخرج لا يفقه إلا القليل من أصول التعامل مع المريض واللجوء الى منظومة جديدة لتعليم شباب الأطباء

لهذا أصبح هذا الأمر غير مقبول حاليا وأن الدرجات العلمية أصبحت لها الكلمة العليا مع أن العلم متوفر الآن على شبكات الانترنت لمن يريد ، بل ويغنى عن مهالك الحصول على الدكتوراة وما يصاحبها من شبهات المظالم والمحسوبيات والهدايا وسرقات الأبحاث ، حتى أنه قد استقر فى وجدان شباب الأطباء أن الدكتوراة تمنح ولا تعطى .

حتى التعيين فى الجامعات أصبح محجوزا ومقصورا ( تقريبا ) على الكبار وأبناء الأساتذة ، على الرغم من افتقار بعضهم للذكاء والمهارة اللازمة إلا من رحم ربى .

 

وهنا يقفز إلى الذهن مقولة أن الطبيب هو الأقدر على تقييم قيمة مهارته ومجهوده ويقدر ما يستحق من أجر ، وللمريض أن يقر ما إذا كان ذلك الأجر مقبولا ونصفا فيقبل عليه ،  أو مبالغا فيه فينصرف عنه .

ولنا أن نتخيل ماذا يمكن أن يحدث إذا شعر الطبيب أنه أجبر على أجر أقل مما يستحق ، فانظروا لحال البعض فى المستشفيات الحكومية حيث الرواتب المتدنية والتى لا تقنع الأطباء بعدالتها فيقفز إلى الذهن مقولة على قدر فلوسهم .

ولنا فيما يحدث مع مرضى التأمين الصحى ونفقة الدولة خير مثال ، حيث يقوم كبار الأطباء بمقاولة المريض على أتعاب جانبية – من تحت الترابيزة – بالآلاف مقابل الموافقة على إجراء الجراحة بالمقابل الزهيد الذى يتقاضونه من  المستشفى الحكومى ويجدونه غير عادل .

ولن يسلم الأمر من وجود عديمى الضمير الذين قد يلجأون لحجب مهارتهم وخدمتهم عن المريض إذا شعروا بأنهم لم يتقاضوا الأجر العادل ، ولا رقيب إلا الله .

 

و ماذا عن المستوصفات والمراكز والمستشفيات الخاصة ؟

هناك من أساليب التلاعب ما يندى له الجبين للتحايل على الأجر الزهيد من فواتير بها من الخدمات التى لم تقدم للمريض أو مقابل كل ما يقدم ، فالجلوس على الكرسى بحساب والسير فى الطرقات بحساب وإضاءة نور الغرفة بحساب وتشغيل جهاز التكييف بحساب وهكذا .

ثم هناك أمر آخر : المريض المصرى لديه اعتقاد بأن الغالى ثمنه فيه والطبيب الغالى هو الأفضل ، وأصبح ذلك مدعاة للتفاخر والتباهى ، مما دعى البعض لرفع قيمة اتعابه لكسب المزيد من المرضى .

 

 

والحل ؟؟؟

ببساطة يكمن الحل فى إصلاح منظومة المنشآت الطبية الحكومية لتكون المنافس الحقيقى ومقدم الخدمة الأساسى للمريض المصرى ، إذا وجد فيها ضالته من علاج حقيقى وآدمى وذو معايير جيدة حسبما نص الدستور المصرى .

وقد تكون منظومة التأمين الصحى هى الملاذ والملجأ ، وذلك إذا تم تفعيلها بصورة صحيحة وليست يصورتها الحالية ، على أن تشمل هذه المنظومة من يريد الانضمام إليها وليست بصورة إجبارية ، وعلى من يرفضها أن يذهب للعلاج الخاص بمزاياه وعيوبه ، وتكون الدولة بريئة من نتيجة اختياره .

ابذلوا جهدا أوفر فى تفعيل منظومة التأمين الصحى بشكل عادل وآمن و آدمى ، ليشمل كل المستشفيات الحكومية بعد تطويرها لتقدم الخدمة الطبية بنفس الجودة .

طوروا المستشفيات الحكومية لتكون جاهزة لتقديم الخدمة بصورة جيدة و ليس لتصوير السيد المسئول يوم افتتاحها ثم غلقها ، والأمثلة عديدة ولا مجال لذكرها الآن

التطوير لا يكون ببناء مستشفى جديد أو تجديد قديم  لا تجد من يعمل به ، أوحشوه بأجهزة حديثة     ( غير متوفرة فى بعض المستشفيات الأمريكية )تتكلف الملايين ولا تجد من يعمل عليها ، أنه إهدار للمال العام يا سادة .

 

خطة التطوير تكون بتطوير جميع مفردات المنظومة

العمل البشرى هو الأهم ، والإنفاق عليه لا يعتبر مال ضائع فهو أساس التطوير حتى أنه أصبح يسمى  ( القوى البشرية ) وليست العمالة .

حسنوا أحوال ورواتب العاملين بالحق الصحى حتى يبتسموا فى  وجه المريض المسكين الضعيف ويتقوا الله فى عملهم .

اجتهدوا فى تحسين التعليم الجامعى لهم حتى لا تكون سنوات الدراسة أواقاتا ضائعة يبدأ بعدها التعليم الفعلي بتكاليف جديدة وإهدار سنوات أخرى من العمر.

اقصروا الخرجين على التخصصات التى تحتاجها المنظومة حتى لا تتكدس بعض التخصصات ويتوقف العمل فى التخصصات الأخرى .

اعدلوا فى الأجور ولا تساووها ، فليس من العدل أن تتقاضى الممرضة فى وحدة صحية تعمل ساعتين يوميا صباحا وهى جالسة على كرسيها مثلما تتقاضى زميلتها فى مستشفى كبير فى الطوارئ او العمليات تعمل ثمان ساعات أو اكثر على قدميها .

المساواة لم ترد فى الكتب السماوية ولكنه العدل .

إذا تحسنت الخدمة الطبية فى الحكومة لن يلجأ للخاص إلا القادر ماليا أو من يبحث عن المظاهر وهؤلاء الدولة منهم براء ، وليخضعوا لمنظومة العرض والطلب .

 

سئل فضيلة الشيخ الشعراوى – رحمه الله – ذات يوم عن رأيه فى بعض المشايخ الذين يغالون فى أجورهم فى قراءة القرآن ، فقال للسائل إذا كنت تدفع نظير سماع القرآن فالقرآن موجود فى المذياع والمساجد وعند غير المشاهير مجانا أو بمقابل زهيد ، أما إذا كنت تدفع مقابل صوت جميل فله أن يحدد أجره.

وينطوى ذلك على الخدمة الطبية إذا توفرت مجان أو بمقابل زهيد . 

 

مازال فى الجعبة الكثير ، ولكن ضاق الوقت والظرف لسرد ما هو أكثر ، وقد يكون لنا حديث آخر  باستفاضة فى لقاءات قادمة ، والله من وراء القصد ،،،،،

د. بهاءالدين عبد الحميد

استشاري النساء والتوليد

 

تعليقات الفيس بوك

تعليقات