الرئيسية » أهم الأخبار » د. أحمد حسين يكتب: الطبيب والمهندس والاعلامي وبائعة الفجل والكمساري .. فاتورة سداد الديون(1)
د أحمد حسين

د. أحمد حسين يكتب: الطبيب والمهندس والاعلامي وبائعة الفجل والكمساري .. فاتورة سداد الديون(1)

في قصيدته (الظل و الصليب) يقول صلاح عبد الصبور (هذا زمن الحق الضائع، لا يعرف فيه مقتول من قاتله و متى قتله،و رؤوس الناس على جثث الحيوانات،و رؤوس الحيوانات على جثث الناس، فتحسس رأسك،فتحسس رأسك !)، و منذ أيام دون طبيب القلب هاني راجي على تويتر كاتباً ( عندما تتخرج كطبيب أو مهندس من جامعة مصرية حكومية، عليك فاتورة تسديد ديون تعليمك لشعب مصر الفقير،3-5 مليون جنيه مصري،دفعتهم الست بتاعة الفجل و الكمساري بتاع القطر، لو مش ناوي تسدد دينك،و ناوي تهرب من البلد علشان تكسب أكثر، لنا رجاء، خليك مؤدب، و بلاش تشتم )، تدوينة تناقلها المجتمع و بالأخص الوسط الطبي على مواقع التواصل الاجتماعي أثارت الاستهجان عند العديد،ما جعل الاعلامي عمرو اديب يتناولها مستضيفاً كاتبها في مداخلة،الذي أوضح أنه لا يقصر الرسالة على الطبيب و المهندس بل أصحاب كل المهن من خريجي الجامعات،و أن الذي قال له أن بائعة الفجل هي التي دفعت ثمن تعليمه و تدفع ثمن مرتبه هو ابراهيم محلب رئيس الوزراء السابق أثناء زيارته لمعهد القلب،و أن غرضه من التويتة ألا يتم التعالي على الطبقات الفقيرة،و أكد أن الأغلبية العظمى من الأطباء متفق معه على نفس الخط فيما عدا شباب الأطباء الذين يُوجهوا لشن غضبهم.

شكراً د. راجي

على خلاف الزملاء في الوسط الطبي الذين انتقدوا و هاجموا طبيب القلب و أحسبهم الأغلبية العظمى عكس ما يرى صاحب التدوينة، فإني أتوجه إليه بالشكر،فقد أتاح لنا إعادة قراءة كلمات المبدع صلاح عبد الصبور ليتحسس كل منا رأسه فوق جسده، مهم أن نراجع الفاتورة، من يستحقها و على من واجب سدادها و من المتهرب منها حتى نستكشف أو بالأصح نواجه القاتل و نُرثي القتيل..مغالطات كثيرة أراها في كتابة و حديث د.هاني راجي عدا الرجاء الذي أتفق معه فيه بعدم السب أو الشتيمة، فالفكرة تقابل بمثلها و الأقاويل تُدحض بالحجة و الكذب مردود عليه بالشواهد.

نتفق جميعاً أو لا يجرؤ البعض على إعلان الإنكار أن تجارة السوق من بيع الفجل و الخضروات و كمساري القطار و عامل الصيانة و صانع الأحذية و الطبيب و المهندس و جامع القمامة من الأعمال و المهن الشريفة التي يحتاجها المجتمع، أيضاً الضابط و الجندي و القاضي و الصحافي و الاعلامي و لاعب الكرة كذلك..فلا أرى منطق فيما ورد من شرح صاحب التويتة بالمطالبة بعدم التعالي المجتمعي على الفقراء و ربطها بذكر مهن معينة،خاصة أن ممتهني الطب و الهندسة أصبحوا أقرب إلى الفقر بإستثناء نسبة قليلة بالتأكيد ليسوا غاضبين من حديث د.هاني راجي..على كل حال لن يسهم ما كتبه الطبيب و عرضه الاعلامي في تأجيج البغضاء بين الفئات التي اختصها بالذكر، فبائعة الفجل في الأغلب لا تمتلك طبق هوائي يلتقط بث الفضائيات و إن امتلكت فستكون حريصة على عدم تضخم فاتورة الكهرباء، و الكمساري في القطارات حُرم من متابعة الأحداث على هاتفه الذكي فقد امتنعت هيئة السكة الحديد عن سداد فاتورة النت..فقط كلمات الطبيب أيقظت الشجن في نفوس السواد الأعظم من متكبدي سداد الفواتير التي استهلكها غيرهم من أقلية السواد.

أحاول في ردي على مغالطات د.هاني راجي أن استوضح بنود الفاتورة علنا نستوضح أو نشير إلى الرؤوس مستحقة السداد، نبدأ بهوامش أضافها الطبيب إلى الفاتورة في حديثه مع الاعلامي،فقد أدهشني سهولة القاءه لمعلومة أن بائعة الفجل تدفع ضرائب مبيعات و أذهلني تأكيده استقاء المعلومة من رئيس الوزراء السابق ابراهيم محلب ! ، بحثت قدر جهدي في قوانين الضرائب على المبيعات حتى آخرها قانون 67 لسنة 2016 مايعرف بقانون القيمة المضافة، و في قوانين الضرائب على الدخل بداية من قانون 157 لسنة 1981 المعدل ب 178 لسنة 1993 و قوانين 51 و 91 لسنة 2005 و 101 لسنة 2012 و قانون 11 لسنة 2013..الحمد لله لم أجد في أي منهم استحقاق أية ضرائب على مثل أعمال بيع الفجل و أتمنى ألا يكون هناك قانون غفلته يحوي ذلك، فستُرهق الحكومة و تستنزف موظفي الضرائب في حساب ضرائب على بائعة الفجل التي رأس مال تجارتها لا يتعدى عدد الأصابع من عشرات الجنيهات، فما بالنا بأرباحها !

الحقوق و الواجبات

في غياب الشفافية و الانتقاء في تطبيق القوانين بل و في تشريعها، يُزج بهاتين الكلمتين داخل حلبة صراع بدلاً من أن يحتويهما إطار العدالة..العدالة ليست في المساواة المُطلقة و إنما في ضمان الاحتياجات الأساسية للجميع و بعدها يكون التمييز على قدر الواجبات ، إذا أردنا أن نقيس تقدم و تحضر دولة فلننظر إلى قاعدة الإحتياجات أو الحقوق التي تكفلها لجميع مواطنيها..الصحة و التعليم من الحقوق الأولية التي أقرها الدستور المصري و ألزم الحكومة بتكفلها، حق التعليم لابن بائعة الفجل الفقيرة واجب على الحكومة إتاحته بنفس الآليات و الامكانيات المتاحة لابن الغني من فئات المجتمع الأخرى ليكون الفارق فقط في اجتهاد كليهما في اغتنام هذه الآليات و الامكانيات كي يصبح طبيباً أو مهندساً أو قاضياً أو يمتهن بيع الفجل..المساواة في اتاحة الفرصة للجميع للتعلم و العدالة في تدرج التقدير للاجتهاد في استخدام هذه الفرصة ، فهل هذا متاح لأبناء بائعة الفجل و الكمساري و الطبيب و المهندس ؟ .

يقول د.هاني راجي أنه قد تعلم تعليماً مجانياً و أن عليه و مثله واجب محتمعي، و هذا صحيح لكن ينقصه ايضاح أن التعليم في أجياله لم يكن مجاني ، بل كانت تتحمل تكاليفه الحكومة في مدارسها وقت أن كان التعليم في أولوياتها بقدر،و ينعكس ذلك على تخصيص نسبته في موازنة الدولة التي هي حصيلة انتاج الشعب و الضرائب المفروضة عليه،وقتها كان التعليم الحكومي مسار الطلبة المتفوقين و من دونهم كان يلجأ للمدارس الخاصة،آباء جمال عبد الناصر و انور السادات و حسني مبارك من مهنة شبيهة بالكمساري..فهل كان شعب مصر وقتها غنياً أم كانت فاتورة التعليم الحكومي وقتها يُطالب المعلم بسدادها !

في أواخر العام الماضي اصطدمت به على رصيف أحد شوارع وسط البلد، إلى جانب بضاعته التي تتكون من بضعة أكياس مناديل ورقية، يرقد الطفل محمود سيد طالب الصف الثاني الاعدادي على كراسته، يستدعي كل تركيزه في مذاكرة دروسه أثناء رحلة العمل اليومي التي يبدأها باصطحاب والده له من مسكنهما بضواحي الجيزة إلى وسط البلد، و تنتهي بعودتهما بعد أن يفرغ والده من حصر الكتب القديمة التي باعها و أكياس المناديل التي نجح محمود في بيعها..هل لو اتيحت الظروف الاجتماعي و التعليم الحكومي لهذا الطفل ما أُتيح ل د.هاني راجي سيصادف نفس نجاحه؟ و هل المعلم مطالب أن يُوفر لمحمود نفس هذه الظروف !

الطفل في 2 ابتدائي يستذكر و هو يبيع المناديل على الرصيف -تصويري

شباب الأطباء و التعالي المجتمعي

أشار د.هاني راجي أن أغلب الأطباء الغاضبين و المهاجمين لحديثه و هم نسبة 10% من الشباب الموجهين معقباً بمطالبته بعدم التعالي المجتمعي على الفقراء..أُذكر د.هاني بمواقف قليلة من كثيرة عايشتها و أكثر منها لا أعلمه،في ثورة 25 يناير أقام الأطباء مستشفيات ميدانية جمعوا أدويتها و مستلزماتها من تبرعات المصريين و تبرعاتهم،كانوا يتناوبون بين عملهم الحكومي و بين تلك المستشفيات يداون مجاناً اهلهم من الشعب المصري الذي كان بالأغلب يضم الطبيب و المهندس و بائعة الفجل و الكمساري و المعلم و جامع القمامة و صانع الأحذية و .. ، هولاء الأطباء أكثر من 90% منهم شباب يعانون نفس قهر بائعة الفجل ، في وقت امتنعت فيه كل قطاعات الدولة عن العمل كان الأطباء هم الفئة الوحيدة التي تعمل في مستشفياتها ، كنت أعمل في مستشفى العباسية للصحة النفسية و أتذكر أني كنت مع زملائي نخرج من المستشفى الميدانية إلى مستشفى العباسية لنتابع المرضى ليس طبياً فقط بل لنتأكد من وصول الأغذية في فترة كانت الطرق مغلقة، أتذكر أيضاً أن المكان الوحيد الآمن الذي لجأت إليه شرطة قسم مدينة نصر لإستضافتها بالمتهمين المحجوزين في القسم كانت مستشفى العباسية للصحة النفسية ، أدعو د.هاني أن يبحث على جوجل ليعلم أن الأطباء الشباب ذهبوا إلى شمال سيناء في عدة قوافل طبية تعالج اهلهم من المصابين منهم بائعة الفجل ، وقت كان غيرهم يكتفي بالدعاء على الفيس بوك ، أدعو د.هاني راجي للتواصل معي فاستضيفه لزيارة في صعيد مصر لمرضى أورام لا تتكفل الحكومة بكامل علاجهم ، فيسألهم عمن يقوم بشراء باقي علاجهم ، أنا أعلم الإجابة التي يجهلها د.هاني فهم الأطباء الشباب .

من قافلة الأطباء لشمال سيناء2

انتهى المقال و لم ينتهي الحديث

و إن كنت اسهبت في الكتابة فالموضوع أضخم بكثير من أن يحويه مقال أو كاتب واحد ، وصلت إلى عدد الكلمات المتاحة لي و لم أتناول سوى عنوان و هوامش للفاتورة المُطالب سدادها ..عدت إلى عنوان المقال فاضفت رقم ( 1 ) فإن منحني العمر فرصة لأستكمل.

د. أحمد حسين

عضو مجلس نقابة الأطباء سابقًا