الرئيسية » أهم الأخبار » د. أحمد حسين يكتب: الكلمة بين الاعلامي والطبيب و الحبس..فاتورة سداد الديون(2)
د أحمد حسين

د. أحمد حسين يكتب: الكلمة بين الاعلامي والطبيب و الحبس..فاتورة سداد الديون(2)

 

(كما قلت لك:مسلسل الراية البيضاء يتكرر،و لكني أعرف يقيناً أن الأطباء و العاملين سيربحون هذه المرة بسبب عنادهم و قوة إرادتهم و نبل مطلبهم،فيما عدا هذا فقد أرضيت ضميري و نشرت هذا المقال،و لكن لتسامحني يا أحمد فلا أتوقع أي رد على كلامي من أي جهة.هذا نموذج فريد على كون الكلمة عديمة التأثير في مصر كما قلت لك)،بهذه الكلمات موجهها لي اختتم العراب د.أحمد خالد توفيق مقاله(الكلمة و مستشفى العباسية و أشياء أخرى) عن وقوف العاملين بالمستشفى ضد محاولات بيعها..افتقدنا وهج يقينه بانتصار الحق و لو بكلمة يرى أنها عديمة التأثير،و رحم الله العراب فقد رحل قبل أن يشهد تحريف الكلمات لتنقلب إلى أساور تكبل أصحابها في أحضان القهر.

تويتة راجي و برنامج عمرو

في كتابة طبيب القلب هاني راجي و مدالته مع الاعلامي عمرو اديب حول مسئولية خريجي الجامعات و الحديث الأكثر عن الأطباء و المسئولية المجتمعية نحو الفقراء و أن الدولة علمتهم مجاناً فلا بد أن يسددوا فاتورة الدين،و هذا أيضاً عن خريجي الجامعات الخاصة فقد استفادوا من الدعم في المعيشة..مغالطات كثيرة تحدثت عن بعضها في مقالي السابق و أكمل بعضها،

الدولة و الخدمات

الدولة هي الشعب الذي بانتاجه أقام المؤسسات المملوكة له،و النظام هو السلطة التي فوضها الشعب لإدارة ممتلكاته وفق قوانين تنبع من دستور أقره و ارتضاه الشعب،النظام جزء من الدولة و الخلط بينهما شائع،أما الأكثر تشويهاً هي الخدمات التي تقدمها الدولة و يحاول الكثير أن يعزي كونها مّناً من النظام على المواطن..الخدمة أياً كان نوعها لكي تكون مُرضية للمواطن فلا بد من الاهتمام بكل عناصر انتاجها،أنت لا تستخدم عبوة الشاي و لكنها مهمة لحفظه بها،و البنزين تُدرك أهميته لأن بدونه لن تدور السيارة برغم أنه يهمك فقط الوصول لوجهتك،كذلك الخدمة الصحية لن تُقدم مُرضية للمواطن حتى يكون الاهتمام بتوفير مبنى مستشفى و أجهزة و أدوية و فريق عمل متدرب و قادر و راضي عن معيشته،التعليم و التدريب و الأجور المناسبة للفريق الطبي جزء من مكونات الخدمة الصحية الجيدة و ليس فضلاً من النظام أو ديناً مطالب الفريق بسداده،كذلك الخدمة التعليمية التي تتطلب مدارس و ادوات و معلم..جودة تلك الخدمات بالانفاق على عناصر بما فيها القوة البشرية هي دين واجب على النظام للشعب،و ارتضاء القوة البشرية المُقدمة للخدمات المختلفة للأجور المُمكنة شريطة أن تكون في إطار العدالة الاجتماعية هو تبادل للوفاء بين فئات الشعب المختلفة أو بالأدق هو من الانتماء.

العدالة الاجتماعية في مصر

في كتابه(أربعة شهور في قفص الحكومة)يكتب د.حازم الببلاوي رئيس الوزراء الأسبق عن أحد العناصر التي قامت عليها رؤيته الاستراتيجية الاقتصادية نحو تقدم الأمة(عدالة اجتماعية:لا يتحقق التقدم بمجرد تحقيق معدلات عالية للنمو،و إنما لا بد أن يصاحب ذلك شعور المواطن بالعدالة و المساواة في الفرص المتاحة أمامه،و لا شك أن الارتفاع بمستوى التعليم يزيد من الوعي بحقوق المواطن،كما أن التقدم الصناعي يساعد في معظم الأحوال على اتساع قاعدة المستفيدين من النمو،و لكن الأمر يتطلب فوق كل ذلك سياسة اجتماعية واعية لتحقيق الشعور بالعدل و الانصاف و توفير العدالة في الفرص و المزايا،و يرتبط بذلك ضرورة وجود نظام سياسي ديمقراطي يقوم على الشفافية و المساءلة)..عندما تقارن أجور الفريق الطبي أو المهندس أو الكمساري بالدول الأجنبية،فتذكر أن الطبيب حديث التخرج في السويد يتقاضى 3500دولار شهرياً و الجراح في استراليا 150 الف دولار و حتى عندما تذكر الدول الشبيهة بوضع مصر مثل ماليزيا يتقاضى فيها حديث التخرج 1200 دولار و في صربيا 500 دولار و الجراح في الصومال يتقاضى 5000 دولار شهرياً بينما في مصر الطبيب حديث التخرج من الكلية يتقاضى 2000جنيه مصري و الطبيب قريب التخرج للمعاش 5000 جنيه،عندما تذكر هذا فستنهال عليك الفتاوى كأنك ارتكبت منكراً..أما إذا بحثت في داخل مصر لتقارن برواتب و الخدمات الاجتماعية الممنوحة للضابط و القاضي و موظف البنك و وزارة المالية والبترول،ستفشل لانعدام الشفافية في الاعلان عن دخولهم..عليك أن تعيد قراءة الجملة الأخيرة في عبارة الببلاوي.

الدستور المصري و الواقع

الدستور المصري الذي أقره الشعب عام 2014 و حتى بعد تعديله في 2019،استقرت فيه المواد 18و19و21 الخاصة بالصحة و التعليم قبل و بعد الجامعي،و نصت على تخصيص 3%من الناتج القومي للصحة و4% للتعليم قبل الجامعي و2% للتعليم الجامعي،ما يعادل تقريباً بالترتيب 8% و10% و7% من الموازنة العامة للدولة،و ذلك على أن تزداد تدريجياً حتى تتفق مع المعدلات العالمية،و قد وقعت مصر في 2001 على اتفاقية ابوجا و منها أن تصل النسبة المخصصة في الموازنة العامة إلى 15% على الأقل..الواقع حالياً من الاحصائيات الرسمية للحكومة المصرية بعد اتمام مدة الاستحقاقات الدستورية،أن نسبة الانفاق على الصحة في الموازنة العامة للعام المالي 18/19 كانت 4.3% و التعليم قبل و الجامعي معاً 8.9%،أيضاً الاحصائيات توضح انخفاض عدد أسرة المرضى في القطاع الحكومي من 98139 عام 2011 إلى 93897 سرير عام 2016 و ارتفاعها في الخاص من 25827 إلى 32698 سرير عن نفس السنوات،ملحوظة تنوه عنها الاحصائيات أن القطاع الحكومي يشمل وزارة الصحة و الجامعات و الشرطة و السجون و هيئات أخرى،هذا عن عدد الأسرة و لكن لم توضح إن كانت نسبة الانفاق على الصحة في الموازنة تشمل هذه الجهات جميعها أم لا، أيضاً مهم أن تعرف معلومة لا تذكر أن الانفاق على الصحة يشمل تكاليف توصيل الكهرباء و المياه و الصرف الصحي و التليفونات و شبكات الحريق إلى المشآت الصحية، لا تسأل عن مصير ميزانيات وزارة الكهرباء و الاتصالات و الصرف الصحي و عد لقراء عبارة الببلاوي.

الاعلامي عمرو اديب و التناقض

في حديثه مع د.راجي يستنكر عمرو اديب هجرة الأطباء إلى الخارج للعمل بعد أن انفقت الدولة على تعليمهم،و في ذات الفقرة يقاطع د.ايهاب الطاهر امين عام نقابة الأطباء مبرئاً نفسه من الدين قائلاً(احنا الحكومة مش بتدفعلنا اجورنا)..الانفاق على تعليم الطبيب و المهندس و الكمساري و بائعة الفجل من أموال الدولة هو واجب على النظام ،كما أن الأجور في إطار العدالة الاجتماعية واجب،لا يعفي قضاء الدولة بأياً من الواجبين عن قضاء الأخر،هذا إن افترضنا أن النظام قام بالفعل باداء واجبه نحو التعليم..الطبيب يهاجر إلى الخارج فيعالج مرضى الدولة التي يعمل بها بامكانيات نفس الدولة و يتقاضى أجراً من ميزانيتها و يؤدي أيضاً ما عليه من التزامات،أما الاعلامي عمرو اديب نسي أنه يبث برنامجه إلى المصريين،و يجمع مواده من مشكلات و أحزان المصريين الكثيرة و أفراحهم النادرة،يدفع المصري فاتورة الكهرباء عن مشاهدة البرنامج و يشتري السلع عن الاعلانات التي تُبث خلاله،نسي أيضاً أن اهمال النظام لقطاع الاعلام الحكومي و انعدام الامكانيات في ماسبيرو و تدني اجور العاملين به،جعلت من ماسبيرو قزماً أمام الفضائيات الخاصة،فلم يكن هناك بديل للمشاهد المصري عن مشاهدة عمرو اديب خريج جامعة القاهرة الحكومية في القناة الخاصة بدلاً من ماسبيرو..هنا أيضاً في صحة مصر،فلولا تردي الخدمة الصحية في مستشفيات الحكومة المهملة ما لجأ المواطن للمستشفيات الخاصة..أي دين في مكيال الأخر!

الكلمة تقود أحياناً إلى السجن

الطفلة ذات الثمان سنوات تمسك الهاتف المحمول من يد والدها في ذعر قائلة(بابا، بلاش التليفون هيجوا يأخدوك تاني)،فقد كانت ممن شاهدوا اقتحام أفراد الشرطة المقنعين لمنزلهم فجر الأول من سبتمبر الماضي،طبيب من أكثر من 10 أطباء و صيادلة غير أساتذة الجامعات تم القبض عليهم بنفس الطريقة،جرمهم أن كتبوا على صفحات التواصل الاجتماعي(أطباء مصر غاضبون،علماء مصر غاضبون)و تفاعل عشرات الاف من الغاضبين،لم يغضبوا من دفع مقابل المرور على الطرق السريعة و لا لارتفاع سعر تذكرة المترو..غضبوا عن وضعهم في منظومة متردية الامكانيات و تدني اجورهم و الاعتداءات المتكررة عليهم في اماكن عملهم،اُفرج عن معظمهم بعد 9 أيام و كان اخرهم منذ أيام أستاذ الحقوق طارق الشيخ..ما زال بعد أكثر من 80 يوم بالحبس الاحتياطي طبيب الأسنان محمد عبد اللطيف أمين عام نقابة الأسنان سابقاً و الأب لطفلتين،و أحمد الديدموني طبيب الأسنان بالشرقية الذي عقد قرانه قبل القبض عليه بشهر واحد و أحمد فاروق أمين عام نقابة الصيادلة.

طالب الأطباء و منهم المحبوسين على مر عهود متسارعة من الأنظمة المختلفة،بتحسين منظومة الصحة و زيادة ميزانيتها،فكان الرد بأن تلتزم كل فئة بالحديث عما يخصها،و عندما نادوا بها كان الهجوم بأنها(مطالب فئوية) و كأنها تهمة،و حتى لا يموتوا كمداً عبروا عن غضبهم..مجرد كلمات أودت بهم إلى الظلمة.

يقيني في الله و قناعتي بالديمقراطية..و بعدها كما قال العراب: فيما عدا هذا فقد أرضيت ضميري و نشرت هذا المقال.

د. أحمد حسين

عضو مجلس نقابة الأطباء سابقًا