أهم الأخبارمنتدي الدكاترة

د. أحمد حسين يكتب: “الريشة” فوق رأس الطبيب

“طفلة رضيعة عمرها شهور تفقد بصرها لإهمال الأطباء الذين حكمت المحكمة على 10 طبيبات و 5 أطباء بمحافظة قنا بالحبس لمدة عامين و غرامة 100 الف جنيه”.

خبر منشور أخر مايو الماضي بوسائل الاعلام، لا يستطيع آدمي ألا يتعاطف مع الطفلة و أهلها، ويسخط على الأطباء المهملين ربما يجاوز سخطه على هوان الحكم الصادر أوائل نفس الشهر بالحكم بالحبس لمدة سنة مع إيقاف التنفيذ و تعويض مليون جنيه على شاب قتل مهندسة شابة أثناء قيادة سيارته مخمورًا بمدينة الغردقة.

على جانب آخر، مشاعر تعاطف من الوسط الطبي مع زملائهم الأطباء و سخط على معاقبة الأطباء بالحبس في القضايا المهنية، وبين مطالبات بتشريع قانون للمسوؤلية الطبية لا يكون فيه الحبس إحدى عقوبات الخطأ الطبي،تتعالى أصوات مستنكرة لتلك المطالبات “هو الأطباء على رأسهم ريشة!”

“تؤام من طفل و طفلة،اضطر الأطباء لإنهاء ولادتهما من أم مريضة بالسكري عند 27 اسبوع-6 أشهر- من العمر الرحمي،كان ذلك في مستشفى خاص بمحافظة قنا،في عُرف طب النساء و التوليد تُسمى تلك الولادة”سقطًا” وإحتمال بقاء الرضيع على قيد الحياة ضعيف جدًا، تُوفي الطفل بعد أسبوع من مكوثه بالحضانة في نفس المستشفى،و لإرتفاع تكلفة المستشفيات الخاصة اضطر أهل الرضيعة نقلها إلى مستشفى قنا العام بعد 10 أيام من بقائها بالحضانة،لتستكمل الرضيعة التي تزن كيلو واحد و سبعون جرامًا فترة الحضانة إلى 40 يومًا كانت خلالها تتلقى الأكسجين على جهاز تنفس صناعي،و من المضاعفات المتعارف عليها في المراجع الطبية لتخصصي الأطفال و الرمد،أن الأطفال السقط أو المبتسرين ناقصي النمو يكونوا عرضة لإنفصال الشبكية نتيجة تكون غشاء على الشبكية،و ذلك أثناء وجود الطفل في الحضانة فترة طويلة على أكسجين،و يصعب جدًا معالجة هذه المضاعفات.

الطفلة كان يجب عمل فحص قاع عين لها للتشخيص أثناء الأسبوع الأخير لوجودها في الحضانة،إلا أن هذا الفحص كان يتطلب تخدير الطفلة و فصل الأكسجين عنها و هو ما يعني إنهاء حياتها”..هذه معلومات عن الواقعة استخلصتها من قراءتي السريعة لملف القضية و مناقشاتي مع بعض الزملاء المتخصصين.

كما علمت أن الإجراء الذي كان سيهدم أي إتهام للأطباء بالإهمال،أن يدون أطباء الأطفال بتذكرة الطفلة عرضها على أخصائي الرمد لإجراء فحص قاع عين،فيحضر طبيب الرمد ليستطلع رأي طبيب الأطفال كتابيًا حول إمكانية فصل الأكسجين عن الطفلة و تخديرها،فيدلي طبيب الأطفال بإستحالة ذلك ليؤجل طبيب الرمد فحص قاع العين إلى حين إمكانية ذلك.

إلا أن أطباء الأطفال لم يدونوا ذلك كتابةً في تذكرة الطفل و أنكرت الأم أنهم أوصوها بذلك شفويًا عند خروج الطفلة من المستشفى،و كان عدم العرض على طبيب العيون هو أساس الإتهام في تقرير الطب الشرعي و إدانة المحكمة لهم.

لم أكتب تلك المقدمة و المعلومات لأستهل دفاعًا عن الأطباء أو مناصرة للطفلة،و لا تتملكني ضلالة إستهداف منصة القضاء للأطباء أو غيرهم،فالقاضي يفحص أوراقًا و مستندات و يطبق أحكام القانون تبعًا لها،و قد تحدد يوم 16 من نوفمبر القادم موعدً لإستئناف الحكم الصادر بإدانة الأطباء،و لكن أكتب للحديث عن الريشة التي يجب أن تكون فوق رأس الأطباء،بل حزمة من الريش.

كثيرً ما تلغي محاكم الإستئناف أحكام المحاكم الإبتدائية، وتلغي محكمة النقض أحكام محاكم الجنايات،ويكون في أسباب إلغاء الحكم خطأ القاضي في الإستدلال أو في تطبيق نصوص القانون أو إغفال طلبات الدفاع،بل قد تظهر بعد إعدام متهم أدلة تؤكد براءته و خطأ محكمة النقض.

تخيل لو كان القانون يقضي بسجن القاضي الذي أخطأ و تم إلغاء حكمه،فهل نتوقع أن يطمئن قاض و يستقيم عند نظر أية قضية!،ماذا لو سُجن مهندسًا لإنهيار مبنى أشرف على إنشاءه، ليس لفساد في التنفيذ و لكن لبركان أو سيول.

نعم هي الريشة التي تحمي القاضي من إرتعاش اليد عند نظر قضية و تحفز المهندس لمزيد من الإبتكار في التعمير،الريشة التي تحمي المهني من أي عقاب إذا كانت الأضرار ناتجة عن عدم خطأ منه و تكون الغرامة هي العقوبة الأقصى إذا أخطأ مهنيًا عن دون قصد،هي نفسها الريشة التي نطالب أن تعلو رأس الفريق الطبي بما فيهم الطبيب.

المطالبة بتشريع قانون للمسوؤلية الطبية تكون فيه عقوبات الخطأ الطبي هي الغرامة المالية حسب الضرر الواقع على المريض و الإيقاف عن مزاولة المهنة حال تكرار الخطأ،و إلغاء الحبس في قضايا الخطأ الطبي،ليست خصوصية أو حماية للطبيب،و لكن خصوصية لمهنة الطب و أمانًا للمريض،فلا يستطيع طبيب في ظل أحكام الحبس ألا يفكر أولًا في حماية نفسه بتسجيلات و توثيقات ورقية قبل أن يفكر في إنقاذ المريض،و لا يستطيع أحد أن يلوم طبيب يرى زملاءه يُسجنون و يتعرضون للإبتزاز إذا عزف عن مناظرة أي مريض يحتمل حدوث مضاعفات لحالته.

في ظل إستمرار مناظرة قضايا الخطأ الطبي بنفس قانون العقوبات الذي يُعامل تاجر المخدرات،في عدم وجود ريشة الأمان فوق رأس الطبيب سيحكمه الخوف الذي سيقتل المريض.

قضية أطباء أطفال قنا،أعادت إلى الساحة العديد من المشاكل المستديمة التي تتفجر مع كل واقعة في الوسط الطبي،ضعف إمكانيات المستشفيات الحكومية،و عجز عدد الأطباء و بالأخص في الأقاليم،عمل الأطباء لأيام متواصلة،ضعف أجور الفريق الطبي التي تضطره للجمع بين العمل الحكومي و الخاص،قصور التنمية المهنية المستدامة و التدريب العلمي المستمر لأعضاء الفريق الطبي،عدم وجود توصيف مهني لكل درجة فنية من الأطباء،عدم وجود قواعد و إرشادات منشورة للتشخيص و الإجراءات الطبية و العلاجات،و عدم وجود نظام تسجيل طبي.

مشكلات لابد من مناقشتها و وضع حلول فعلية لها، ليس لزينتهم أو لفضلهم بل ليستظلوا بالأمان فيُظلوا المرضى بأقصى رعاية، حزمة من الريش يجب أن تكون على رأس الفريق الطبي.

موضوعات ذات صلة »

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى