أهم الأخبارمنتدي الدكاترة

د. أحمد حسين يكتب: «الغيتو» والقبر المفتوح.. الأخطر على الأطباء والمرضى

“الغيتو” أو كما نتداوله ب”الجيتو” يرجع هذا المُسمى إلى عهد الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي كانت تضم ضمن ولايتها إسبانيا وإيطاليا وهولندا في عصر الإمبراطور شارل الخامس، وأطلق الجيتو على الحي الذي أمر شارل بعزل اليهود فيه في مدينة البندقية الإيطالية، وفي عهد نازية هتلر أقام الألمان عشرات المئات من أحياء الجيتو لليهود سواء في المانيا أو مستعمراتها.. تعريب المسمى  كما ورد في مجمع اللغة العربية بدمشق هو “المعزل” وتعريفه “منطقة يعيش فيها-طوعًا أو كرهًا- مجموعة من السكان يعتبرهم أغلبية الناس خلفية لعرقية معينة أو لثقافة معينة أو لدين”.. وفي مجتمعاتنا صار يطلق بإستفاضة تضمنت المجموعات أو الفئات التي تنغلق على نفسها.

قصّت لي الطبيبة الكاتبة بسمة عبد العزيز ما دونته في كتابها”إغراء السلطة المطلقة” الذي نُشر قبيل ثورة 25 يناير،و فيه لقاءتها مع طلاب بكلية الشرطة أدلوا لها بشهادات عن تعليمات تُتلى عليهم منذ الأيام الأولى بالكلية،الأ يرتادوا الأماكن العامة مثل المقاهي،لا يختلطوا بالمواطنين العاديين،لا يركبوا المواصلات العامة إلا في أضيق الحدود..مجموعة اللات قد يكون غرضها فرض الهيبة و الوقار لجهاز الشرطة و العاملين به،و لكن في الأغلب قد خلق منهم “جيتو” اتضح جليًا أثناء ثورة 25 يناير.

الفريق الطبي و منهم الأطباء،مشاكلهم و قضايا مهنتهم تسبق ثورة 25 يناير بسنوات تصل لعقود،و لكن بالتأكيد لم تصل لحد إنزوائهم في معزل و إلا لما كانوا انخرطوا في ميادين يناير و وصل بهم الأمر إلى تنظيم الميادين في أوقات تحول الغضب إلى عشوائية.

بينما هناك أسر كاملة يتداول أفرادها عبارة”أنا لم أدخل قسم شرطة إلا لإستخراج بطاقة أو أوراق”،فيندر أن تجد أسرة في مصر لم يزور أحد أفرادها طبيب سواءً في مستشفى عام أو خاص أو عيادة خاصة..و في السنوات الأخيرة و بينما لا توجد مؤشرات لتغيير التعليمات المُلقنة لطلاب الشرطة، إنحصرت مشاكل جهاز الشرطة،بينما تفاقمت مشاكل قطاع الصحة و العاملين به..لم تتغير سياسات الأنظمة و الحكومات بعد يناير 2011 عن قبلها في تجاهل منظومتي الصحة و التعليم و العاملين بهما و إستمرار تدلَّيل فئات أخرى،لكن دلائل كثيرة قد تشير إلى إنحصار الدعم المجتمعي لقضايا الفريق الطبي و مشاكله،أو ربما إنعدامه،و ثمة دلائل على إستبدال الجيتو لقاطنيه فقد استوطن معظم ربوعه الأطباء سواءً طوعًا أو كرهًا،ما يحتاج إلى مناقشة و وقفة لدراسة الأسباب.

آلة الإعلام

إن لم يكن جميعها فمعظم وسائل الإعلام المرئي الذي يُظهر مفاتن فئات و تضحياتها و بطولاتها،بينما لا تبرز-إلا فيما ندر- سوى أخطاء و جشع الأطباء و تجارب المرضى المريرة في المستشفيات،هكذا كثير من وسائل الإعلام المقروءة تبحث عن الأخبار الساخنة التي تحصد بها القراءات من جمهور غير مطالب بدراسة الطب ليعرف أنه لا يوجد ما يُسمى بسرقة مبيض أو رحم أنثى..بينما على الناحية الأخرى و لعدة أسباب قد يلخصها البعض في ضيق الوقت و الضغوط النفسية و الإجتماعية،فشل الأطباء أن يكونوا رُسل أو إعلام موازي يشرح للمرضى و أهاليهم حقيقة قضايا الوسط الطبي و من الظالم الحقيقي للمرضى،تمامًا كما فشلت نقابات الأطباء أن تنشأ آلة إعلامية موازية تظهر بها حقائق مشاكل الوسط الطبي، و إيجابيات الأطباء و سلبياتهم،بموضوعية تسحب البساط من أي إعلام زائف و مضلل.

جيتو وهمي

ليست ضمن مناهج دراسة الطب أو على هوامشه،و لا بدورات النقابات الطبية أو حتى بحوارات الأطباء المغلقة،و إنما هي سياج وهمي لا أعتقد أن فرضه الأطباء على أنفسهم سوى في العقدين أو الثلاثة الفائتة،ربما يكون أيضًا المجتمع هو من فرضه عليهم خاصة في حضر الأقاليم،فمنذ أن يكون طالبًا بكلية الطب يهجر ركوب الدراجة،و بعد أن يتخرج على الأقل يستقل”التاكسي” في تحركاته،لا يرتاد المقاهي الشعبية و لا يلعب الطاولة أو الدومينو،و عليه أن يترك”بقشيشًا” للعامل في المستشفى الحكومي..كل ذلك و جميع مستحقاته من عمله الحكومي لا تتعدى الألفي جنيه..جيتو وهمي للوقار أو المثالية توهمها أو توهم أنها لزامًا لكي ينول إحترام المجتمع.

حناجر مُظلمة كالقبور

“حنجرتهم قبر مفتوح،بألسنتهم قد مكروا،سم الأصلال تحت شفاههم” من رسائل بولس الرسول إلى أهل رومية،عن نكرات الحناجر و خطايا اللسان..كثيرٌ منهم يعيشون هذا الزمان،ربما خرست ألسنتهم عن التفوه بمُنكر القول و لكنها للأخطر،فقد تسمع منها كل مُفسد لقضية و مضيعة لحق و ليّاً لحقيقة،و يٌخيل إليك من خداعها أن تلك الألسنة تطرب،لا تقل خطرًا عنها حناجر لا تصدح ألسنتها إلا بالخيلاء لها أو النكير و المزايدة على غيرها..لا أتفهم أصوات تستنكر دعاوى و مبادرات لدعم المجتمع المدني و مؤسساته لشهداء و مصابي الفريق الطبي،تصف تلك المبادرات أنها تسوّل على الأطباء،في حين أن من بين تلك الأصوات من يتباهى أن في سجله المشاركة بجمع تبرعات إعاشة للإنتفاضة الفلسطينية، و أخرين بتطوعهم و تبرعهم في مستشفيات الميدان،و آخرين شاركوا في توصيل إمدادات طبية لقطاع غزة المحتل،و غيرهم دعموا و شاركوا في حملات التبرع لشعب لبنان،و بعض منهم تبرع لإعاشة و دعم أسر شهداء 25 يناير،فهل كان المواطنون يتسولوا منهم أم كان الأطباء يمنون على المواطنين! ،الأغرب أن أغلب تلك الأصوات شكرت و رحبت بمساهمة بعض مؤسسات المجتمع المدني في علاج الأطباء و غيرهم..من المعلوم للوسط الطبي و لتلك الأصوات أن معيشة الطبيب تبدأ في الإستقرار عند سن الأربعين،فهل هناك أمل أن تتطهر تلك الألسنة إذا ما استجابت لدعوتي و زارت بعض أسر شهداء الأطباء و مصابيهم سواء من كورونا أو غيرها من الأمراض؟

قناعات ربما تكون حقائق

الحكومات بعمومها و بخاصة في الأنظمة الإستبدادية لا تُلقي بالًا لمجتمع يتجرع مُرًا،و لا لفئة تموت مرضًا أو حسرة،بالأخص في ظل تلك الأنظمة لن يتأتى لفئة أو شريحة من المجتمع نيل بعض حقوقها سواء المادية أو الأدبية و هي تسكن في جيتو منعزلة عن باقي شرائح المجتمع..في مصر لا بد أن يعي الفريق الطبي و بالأخص الأطباء أنه لن يزول عن ثوبه الأبيض دنث التضليل و الإفتراء إلا بالإنخراط مع باقي شرائح المجتمع،العودة إلى الحكيم الطبيب و الصبر على توعية المواطنين بحقيقة مشاكل الصحة و المُتسبب في تدني جودة خدماتها،لا بد أن تسعى النقابات الطبية بتدشين آلات إعلامية تظهر إيجابيات الفريق الطبي و تعبر عن مشاكله كما توجد منها ما تبرز سلبياته و تهضم معاناته، لا بد أن يعي الأطباء أن الفارق شاسع بين الكرامة و الإحترام و بين التعالي و الغرور..لا سبيل سوى تحطيم أسوار الجيتو و إصلاح حناجر القبور.

د. أحمد حسين

عضو مجلس نقابة الأطباء سابقًا

موضوعات ذات صلة »

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى