fbpx
أهم الأخبارمنتدي الدكاترة

د. خالد عمارة يكتب: «طب العالم الثالث» و «طب الأقاليم»

منذ ما يقرب من 25 سنة كنت أعيش في ولاية تكساس الأمريكية، وأعمل في مستشفى كبير متخصص في علاج تشوهات عظام الأطفال في مدينة دالاس.

ولأن ولاية تكساس تقع في الجنوب على الحدود مع المكسيك، فقد كان يأتينا الكثير من المرضى المكسيكيين، وكان العديد منهم قد أجرى جراحات في المكسيك قبل أن يحضر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت عادة زملائي الأمريكيين البيض هي نقد أو السخرية من أي جراحة تتم في المكسيك والسخرية من اي شيء يتعلق بالطب في المكسيك !!

كانوا يحبون نقد أى شيء بكلمة “طب العالم الثالث”

يبدو أن هذا كان يعطيهم شعور لذيذ بالتفوق.. فنحن أطباء الولايات المتحدة الأمريكية المتقدمة العظيمة الأذكياء المهرة.. وهؤلاء الأخرين أطباء العالم الثالث المتخلف.. لابد أنهم متخلفون مثل عالمهم وبلادهم.. كانوا يحبون نقد أى شيء بكلمة “طب العالم الثالث”.

وفى يوم من الأيام تم عرض حالة صعبة لفتاة تعاني من عيوب خلقية، أجرت عدة جراحات في المكسيك، وفيها اعوجاج فى عظام الفخذ لم نفهم سببه.. فانطلق أحد زملائي من الأطباء الأمريكيين الشباب ينتقد ويسخر من حالة العظام وخطأ الجراح المكسيكي الجاهل الذي صنع هذا الاعوجاج !!

وهنا قام أستاذي الفاضل جون بيرش ( الذي تعلمت منه الكثير في الطب والحياة )، وعلق على الحالة
قال إن ما قام به الجراح المكسيكي هو الصحيح .. وقد أجرى جراحة صعبة جدًا ومعقدة، بنجاح ومهارة لا يستطيع أى طبيب أمريكي أن يجاريها.

وشرح لنا أن هذا الاعوجاج مقصود، وبدلًا من أن يسخر منه زميلي عن جهل، يجب أن يتعلم منه.

وأضاف أن هذه الجراحة الصعبة في إصلاح تشوهات العظام لا يستطيع الأطباء في العالم المتقدم فهمها أو عملها لأنهم تعودوا على الحالات السهلة البسيطة .. بينما أطباء المكسيك وكوبا يتعرضون لحالات صعبة وقديمة ومعقدة ليل نهار، وبالتالي لديهم خبرات عملية أعلى وجراحية أعلى في التعامل مع الحالات الصعبة المعقدة.

وفهم الجميع أن العنصرية الأمريكية والغربية لا تصلح في المهارات الجراحية وعلاج الحالات المعقدة.

وأن الطبيب في المكسيك يجري أضعاف أضعاف عدد الجراحات التي يجريها الطبيب الأمريكي.. وأن جهل الأطباء الامريكيين بهذه الطرق الصعبة هو عيب عليهم وليس عيب على أطباء المكسيك أو كوبا، وهذا تفسير أن مئات الآلاف من الأمريكيين يسافر كل عام إلى كوبا والمكسيك للعلاج.

منذ هذا اليوم تعلم كل الزملاء التواضع.. وفهم الجميع أن العنصرية الأمريكية والغربية لا تصلح في المهارات الجراحية وعلاج الحالات المعقدة.

تذكرت هذه القصة حين حكى لي مريض أجريت له جراحة منذ بضعة سنوات.. أنه كان في ألمانيا وعرض الاشعات على أحد الأطباء فقال له أن هذا النوع من الجراحات لم يتعود عليه ولا يعرفه.

كذلك،،

أتذكر هذه القصة حين أسمع نقد أى طبيب لزميل له.. رغم أنه قد لا يعرف الكثير من التفاصيل قبل أو أثناء أو ما بعد الجراحة.

أتذكر هذه القصة حين أسمع أن أحد أطباء ما يسمى الجامعة ينتقد مستوى أطباء الصحة أو التأمين.

أتذكر هذه القصة حين أسمع طبيب في القاهرة أو الإسكندرية ينتقد ما يسمى طب الأقاليم.

إنها قصة العنصرية واصطناع التفوق بلا دليل ولا علم .. إنها حالة تصيب الجهلاء أو الجاهل الذي لا يعلم أنه جاهل .. أو ضعيف العلم والمهارة الذي يسعى لتعويض هذا النقص بتشويه الأخرين.

المتقن لعلمه وأمين في عمله لا ينتقد الأخرين بدون علم أو بمعلومات منقوصة.

د. خالد عمارة 

أستاذ جراحة العظام بطب عين شمس

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى