أهم الأخبارمنتدي الدكاترة

د. ماجد فياض يكتب: التولي يوم الزحف الطبي

في الوقت الذي كانت تُؤدي فيه التحية العسكرية للفرق الطبية العائدة من خط مواجهة كورونا الحربية في الدول المجاورة كان معني ومفهوم كلمة الأخونة والخيانة يتمدد في مكارثية عجيبة لحملات بعض وسائل الإعلام المصري حتي ابتلع الأطباء المصريين جميعا بكل أطيافهم وألوانهم ، وطالبوا بالقبض علي من يشكو، ويعترض علي عدم توفير مستلزمات الحماية، ومحاكمته عسكريا بتهمة الهروب من الميدان والتولي يوم الزحف وإعدامه.

اعترف أني حاولت استعياب ومناقشة بعض من شنوا هذه الحملة المسعورة بالأرقام ولم أقدر إذ أن عدد الأطباء المصريين الشهداء بكورونا حتي يوم أمس تجاوز أربعة وخمسين طبيبا بنسبة 4% من العدد الكلي للمتوفين وهي أعلي نسبة في العالم من الأطباء هذا بخلاف شهداء باقي الفرق الصحية .

رسميا حتي الآن لا توجد استقالة واحدة لطبيب في البر المصري كله منذ جائحة كورونا إذ أن الزميل الوحيد محمود طارق طبيب مستشفي المنيرة الذي قدم استقالته المُسببة ، حزنا، وغضبا ،واعتراضا علي مُلابسات استشهاد الزميل الطبيب وليد يحي قد عَدل عنها بحضور عميد من الأمن الوطني والرقابة الإدارية بعد التحقيق في الواقعة بتكليف من الرئيس السيسي الذي أثبت رسميا قصورا إداريا واضحا وتمت إقالة مدير المستشفي ، وتذليل العقبات هناك فانتفت أسباب الاستقالة .

نعم الشعوب لها عيون و لاتكف أبدا عن المقارنات لكني تسألت لماذا يُقارن كثير من أبناء شعبنا في مصر الأطباء بالضباط والجنود المرابطين ويعرضون دائما لجيشنا العظيم
لماذا لا تكون المقارنة بأقرانهم من بلاد أخري أطباء لأطباء آخرين أليس ذلك أكثر منطقية ووجاهة؟!! .

لن يذكر أحد تهديدات الأطباء في إنجلترا وغيرها بالتوقف عن العمل في حالة عدم توفير أدوات الحماية رغم الإمتيازات الضخمة هناك للفرق الطبية من الإقامة المجانية في فنادق خمس نجوم حين تخاف أن تختلط بأفراد أسرتك في منزلك ، وعمل مسحات فورية لك وثلاثة من أفراد أسرتك مجانا بضغطة زر .
لن يُحدثك أحد عن تظاهر الشعب نفسه في كندا من أجل الضغط علي الحكومة لتوفير مستلزمات الحماية للأطقم الطبية والتي اعتبرها البعض وجهة نظر برجماتية بحتة إذ أن إصابة الفرق الطبية تنفث العدوي في وجه المرضي الآخرين وأسرهم وذويهم ومن ثم المجتمع كله ، فضلا عن خروجهم عن نطاق الخدمة الصحية.

هل هي عسكرة الوجدان الشعبي والوعي المصري أم مجرد تطبيل أجوف ساذج يضر ولا ينفع؟؟ ، إذ أن هذه المقارنة اجترت معها تذكير بعض الأطباء للمزايدين الحاقدين بتاريخ الهزائم والإنسحابات المؤلمة في 56 و نكسة 67 وهروب وانسحاب الشرطة في ثورة الخامس والعشرين من يناير ومميزات وامتيازات الفئة الأخري محل المقارنة .

إنه الخلط الواضح للأوراق ومزج ماء ما هو مدني بزيت ما هو عسكري له قوانينه وشؤونه الخاصة ولا يستقيم معه الرفض ولا حتي إبداء الرأي فالجيش بتعريف الرئيس السيسي نفسه هو آلة قتل بينما الطب هو آلة حياة ، كيف يمكن مقارنة القتل والتدمير وهو المطلوب للأعداء بل هو مقياس التفوق و النجاح بالطب الذي مقياس نجاحه هو النجاة والحياة .

حسنا فعل الدكتور مصطفي مدبولي رئيس مجلس الوزراء حين التقي الدكتور حسين خيري نقيب الأطباء ، فنحن الأطباء نحتاج من يسمع لنا من لا يمل حديثنا عن المشاكل الصحية في مصر وكيفة علاجها ووافق سيادته علي ضرورة استكمال نواقص المستلزمات الوقائية للفرق الطبية وتدريبها ومتابعة جاهزية المستشفيات التى تم تخصيصها للعمل فى مستشفيات العزل الجديدة و إجراء مسحات الPCR للطواقم الطبية المخالطة لحالات كورونا ومعاملة شهيد كورونا من الأطباء كشهداء الجيش والشرطة من الناحية المادية وأن صندوق مخاطر أعضاء المهن الطبية الذى أعلن عنه السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى سيتكفل بهذا الأمر.

وحسنا فعلت وزارة الصحة المصرية حين أعلنت عن فتح باب التطوع بمستشفيات العزل لمن يرغب فقد كان اختبارا قاسيا فر علي إثره المنافقين والمزايدين الحاقدين علي الأطباء فرارهم من الأسد.
واتسأل أيضا لماذا غاب مشهد حضور الأمن الوطني والرقابة الإدارية عن إجتماع ممثلي المستشفيات الخاصة مع وزارة الصحة المصرية التي رفضت تسعيرة الوزارة لمرضي كورونا ولماذا غابت حملة اتهامها بالخيانة والتولي يوم الزحف الطبي ، أعلم أن الخدمة الصحية الجيدة مكلفة وأعلم أيضا أن أجور العاملين بالمستشفيات في هذه الأزمة ربما ارتفعت ، وتضاعفت لكني أعلم جيدا من خلال تجارب الأهل، والأصدقاء الذين وجدوا سريرا بهذه المستشفيات بشق الأنفس وتوسلات المعارف ، والمقربين ، والصالحين أن فواتير العلاج باهظة جدا وتخطت حدود المعقول والممكن ولا يقدر عليها أي أحد .

في النهاية أري أن إتاحة الفرصة العلاجية هو حق لأي مواطن في مصر وكنت أتمني أن تتحمل الدولة تكلفة علاج جميع المواطنين المرضي بجائحة كورونا علي نفقتها سواء بالقطاع العام أو بتأجير وإدارة وتشغيل القطاع الخاص كما فعلت الكثير من الدول وإذا لم تقدر لظروف اقتصادية فعليها أن تتدخل بعنف وتمارس سلطتها ، وتضبط الأسعار وهذا أضعف الإيمان .

حفظ الله الجميع وكتب لنا السلامة جميعا.

ماجد فياض

الوسوم

موضوعات ذات صلة »

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق