د. ماجد فياض يكتب: المحتوى الطبي وتأثيره على الأطباء والدولة المصرية

تواصل معي عدد من الزملاء الأطباء عقب بيان نقابة أطباء مصر بشأن التحقيق مع طبيب التخدير المفصول من جامعة عين شمس، بعد أن روّج لما سمّاه «نظام الطيبات»، لا بوصفه رأيًا غذائيًا، بل كعلاجٍ سحري يوقف الأدوية، ويُغني عن الطب، ويعد بالشفاء حيث يعجز العلم.
لم يكتفِ بادعاءات بلا سند، بل تفاخر بإيقاف أدوية ضرورية لمرضى زراعة الكُلى، وزعم علاج حالات متقدمة في تخصصات شتى اعتمادًا على الوهم وحده. والمشهد، في حقيقته، ليس حالة فردية، بل نمطًا يتكرر: طبيب يمنع الغسيل الكلوي، وآخر يحرم مريض السكري من الإنسولين، وثالث يجرّم القسطرة وجراحة القلب باسم «العلاج البديل».
والنتيجة دائمًا واحدة: مرضى يدفعون حياتهم ثمن المغامرة. والمفارقة الأقسى أن بعض الضحايا يدافعون عن جلاديهم، ويرون في النقد مؤامرة من «أتباع الطب التقليدي» وشركات الأدوية ، بينما يُوارى العلم تحت ركام الشعارات، وتُزهق الأرواح في صمت.
«العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة»، هكذا قال المقريزي قبل قرون، فيما صار يعرف لاحقًا بقانون غريشام.
وما صدق في النقود، بات اليوم واقعًا مؤلمًا في الطب والمعرفة: فالرداءة تدفع ما هو ثمين، والطب المبني على الدعاية وأحلام الشفاء السريع يسحق الطب الرصين القائم على الدليل.
في 2007، حذّر ميشيل دانيه، الأمين العام لمنظمة الجمارك العالمية، من أن نحو 10% من أدوية العالم مزيفة، وأن مئات الآلاف يموتون سنويًا بسببها، خاصة في الصين.
أما اليوم، فنشهد الزيف يوميًا: حبوب سحرية تُباع أونلاين وتَعِد بعلاج الضعف الجنسي، تأخر الإنجاب، تطويل العضو، وإطالة العلاقة في حبة واحدة. ولا يقف الأمر عند الإنترنت، بل يتجاوز إلى شاشات التلفاز، حيث يزعم البعض علاج السرطان والأمراض المستعصية وحتى التخسيس، مستعينين بالمشاهير، وكأن الشهرة صارت بديلًا عن العلم.
وأنا أكتب من جدة، لا كمتفرّج بعيد بل كشاهد يومي على الأثر، أرى كيف تجاوز المحتوى الطبي المصري حدوده الجغرافية، وصار مادة نقاش على ألسنة عدد كبير من مرضاي. مقالات وفيديوهات ومنشورات تصل محمّلة باسم مصر قبل مضمونها.
كانت يمكن أن تكون فرصة ذهبية لترسيخ صورة مشرّفة للطب المصري وبناء جسور ثقة عربية، لكن المؤلم أن الغالب عليها يبدو هشًّا، سطحيًا، ميّالًا للإثارة أكثر من الصدق. ليس محتوى يداوي أو بغرض التوعية ، بل محتوى يلفت الانتباه، ويُراكم الشكوك بدلًا من بناء الثقة. وفي مشهد أكثر إيلامًا، يفتح الإعلام ذراعيه لا لمن يملك العلم، بل لمن يملك القدرة على الدفع أو الصراخ، ويُسرف في توزيع ألقاب «الأستاذ الدكتور» و«الخبير» حتى صارت الألقاب أعلى صوتًا من الكفاءة.
وفي الدول المتقدمة، لا يُترك المحتوى الطبي للارتجال أو الاجتهاد الفردي غير المنضبط، بل يُعامل باعتباره امتدادًا مباشرًا للممارسة الطبية نفسها.
ففي المملكة المتحدة، يخضع أي طبيب يقدّم محتوى طبيًا موجّهًا للجمهور لإرشادات صارمة من المجلس الطبي العام (GMC)، الذي يربط بين ما يُنشر على المنصات الرقمية والسلوك المهني للطبيب، ويُحمّله المسؤولية الكاملة عن أي معلومة مضللة أو ادعاء غير قائم على الدليل. وفي الولايات المتحدة، تُلزم هيئات مثل FDA وFTC صانعي المحتوى الطبي بالإفصاح، وتحظر الترويج العلاجي غير المثبت علميًا، وتفرض غرامات وعقوبات قانونية عند تضليل المرضى، حتى لو جاء ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
أما في دول مثل ألمانيا وكندا وأستراليا، فهناك تعاون واضح بين النقابات الطبية والهيئات التنظيمية ومنصات الإعلام، لوضع خطوط فاصلة بين التوعية، والإعلان، والدجل المقنّع. اللافت أن الرقابة في هذه الدول لا تُمارس بوصفها قمعًا، بل كحماية مزدوجة: حماية للمريض من الوهم، وحماية للمهنة من الانحدار.
لذلك ظل المحتوى الطبي هناك، رغم انتشاره واتساع تأثيره، محكومًا بسقف من المسؤولية، لا يسمح للطبيب أن يكون “مؤثرًا” على حساب أن يكون أمينًا، ولا يمنح الشهرة حقًا في تجاوز العلم.
لم يعد المحتوى الطبي الرقمي مجرد توعية عابرة، بل صار نافذة تُقاس بها مهنية الدول. وقد أكد تقرير المجلس العالمي للسياحة العلاجية – Global Medical Tourism Index (2021) أن الثقة في الخدمات الطبية تُعد عاملًا محوريًا في جذب المرضى ودعم الاقتصاد. وإذا التزم المحتوى الطبي المصري بالدقة والاتزان، فإن مصر قادرة على أن تُقدَّم كوجهة علاجية تجمع بين الكفاءة والتكلفة المعقولة، وتستعيد مكانتها كمركز إقليمي للعلاج لا للاستهلاك الإعلامي.
السمعة الدولية للطبيب المصري إرثٌ تراكمي، صنعته أجيال أثبتت كفاءتها في أصعب الظروف. فقد أظهرت دراسة نُشرت في British Medical Journal عام 2019 أن الأطباء المصريين يُنظر إليهم بثقة عالية في عدد من التخصصات الدقيقة.
ومع ذلك، فإن هذا الرصيد هشّ؛ فالمحتوى الطبي يمكن أن يحميه ويعززه، أو ينهشه ويشوّه صورته. فعندما يكون المحتوى منضبطًا ومستندًا إلى الأدلة، لا يحمي صاحبه فحسب، بل يحفظ تاريخًا طويلًا، ويفتح آفاق التعاون والاحترام على الصعيد الدولي.
أما وسائل التواصل الاجتماعي، فهي سلاح ذو حدين. فقد أوضحت دراسة كلية الطب – جامعة القاهرة (2023) بعنوان Impact of Medical Social Media Content on Patients’ Healthcare Decisions أن أكثر من 55% من المتابعين يتأثرون بالمحتوى الطبي عند اختيار الطبيب أو المؤسسة العلاجية. الاستخدام الواعي لهذه المنصات قد يعزز الثقة العالمية، بينما يحوّلها الاستخدام غير المنضبط إلى مسرح استعراض، يُختزل فيه الطب في أرقام لا في قيم.
في النهاية، لا تُختزل صورة الطب المصري في مبانٍ أو قراراتٍ رسمية، ولا تصنعها المؤسسات وحدها، بل تصوغها الكلمة المنشورة، والنبرة المستخدمة، والمسؤولية الأخلاقية الكامنة خلف كل محتوى. إنها مسؤولية جماعية: أن يكون المحتوى أعمق، وأصدق، وأقرب إلى روح المهنة. عندها فقط يصبح هذا المحتوى جسرًا حقيقيًا يربط مصر بالعالم، ويعيد للطب المصري مكانته التي تليق به في الضمير المهني والإنساني الدولي.
فإن أخطر ما قد يقدّمه الطبيب ليس خطأً يُصحَّح، بل وهمًا يُصدَّق.




