أهم الأخبارمجتمع الأطباء

د. ماجد فياض يكتب: كيف تصدّت السعودية لظاهرة التعدّي على الممارسين الصحيين؟

في المدينة المنورة عام 2018، تعرّض الممرض الفلبيني رولاند مينا للطعن أثناء تأدية واجبه داخل المستشفى، فتمّ القبض على الجاني وإحالته إلى النيابة فورًا. لم تتعامل الدولة مع الواقعة بوصفها حادثًا عابرًا، بل باعتبارها مساسًا بقيمة المهنة ذاتها؛ إذ أكدت وزارة الصحة، عبر وزيرها آنذاك الدكتور توفيق الربيعة، أن حماية الممارسين الصحيين، جسديًا ولفظيًا، التزامٌ لا يقبل التهاون، وأن الاعتداء عليهم فعلٌ مدان أخلاقيًا ودينيًا قبل أن يكون جريمةً يعاقب عليها النظام. كما أُطلقت مبادرة «تحمينا نحميك» لتوفير الدعم القانوني الكامل لكل من يتعرض للاعتداء.
واختتم الربيعة رسالته بالقول: «مهمتنا حمايتكم بخلق البيئة العملية المناسبة لكم لممارسة عملكم النبيل». وأضفى أمير منطقة المدينة المنورة، صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز، حضورًا عمليًا بزيارته للمصاب وتكريمه شخصيًا، مع متابعة حالته الصحية والاهتمام بها، في تجسيد عملي لفلسفة ترى في الاعتداء على طبيب أو ممرض اعتداءً على هيبة النظام الصحي نفسه.

وفي العام ذاته، 2018م (1439هـ)، أصدرت وزارتا الصحة والداخلية تصريحات رسمية قاطعة تؤكد أن أي اعتداء على الممارس الصحي، جسديًا كان أو لفظيًا، يُعد جريمة جنائية لا تسقط ولا تُساوَم، وتُعاقَب بأحكام صارمة قد تصل إلى السجن عشر سنوات وغرامة مليون ريال، مع التأكيد على أن الحق العام لا يسقط حتى في حال التنازل عن الحق الخاص. ويستند هذا الموقف إلى نظام مزاولة المهن الصحية الصادر بالمرسوم الملكي عام 1426هـ (2005م)، في رسالة واضحة بأن كرامة الممارس الصحي وسلامته جزءٌ أصيل من النظام الصحي ومن الأمن المجتمعي للدولة.

لم يكن التصدي للاعتداء على الممارسين الصحيين في المملكة العربية السعودية مجرّد ردّ فعل على حوادث فردية، بل ثمرة رؤية مؤسسية واعية أدركت مبكرًا أن كرامة الطبيب والممرض وسلامتهما ليست شأنًا مهنيًا ضيقًا، بل ركيزة أصيلة من ركائز الأمن الصحي، وجزء لا ينفصل عن مفهوم الأمن الوطني ذاته. ومن هذا الفهم العميق، انتقلت الدولة من حدود الإدانة الأخلاقية إلى فضاء الردع القانوني الفعلي، مُرسِّخة معادلة واضحة وحاسمة: حماية الممارس الصحي ليست امتيازًا يُمنح، بل حقٌّ تصونه الدولة بالقانون.

تقول منظمة الصحة العالمية أن نحو 62٪ من العاملين الصحيين يواجهون العنف في أماكن عملهم، تتراوح بين الإساءة اللفظية التي تطال نحو 58٪ منهم، والتهديدات 33٪، والتحرش الجنسي 12٪، لتكشف بذلك أن العنف لم يعد استثناءً، بل واقعًا يلازم كل نظام صحي تقريبًا. وتحليل تلوي شمل أكثر من 69,000 عامل صحي في 22 دولة بإقليم شرق المتوسط، بيّن أن نحو 63٪ تعرضوا للعنف اللفظي و17٪ للعنف البدني خلال أداء مهامهم، مع تفاوت واضح بحسب البلد والسنة، مؤكدًا أن هذه الظاهرة ليست محصورة في مكان أو زمان. وفي أوروبا، تشير تقارير منظمات مهنية إلى آلاف الاعتداءات على الأطباء سنويًا، مع صعود مستمر للعنف اللفظي مقارنة بالجسدي، في إشارة إلى أن التوتر والضغط النفسي لم يختفيا، وأن الممارس الصحي يظل دومًا هدفًا هشًّا أمام غضب المرضى أو سوء الفهم.

في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتتفاقم ضغوط المرضى وأسرهم على النظام الصحي، وتعلو سقوف التوقعات، بات من السهل أن تتحوّل المستشفيات والعيادات إلى ساحات توتّر، تنتهي أحيانًا بهذه النسبة العالية من الاعتداءٍ على من يفترض أنهم حَمَلة رسالة العناية والشفاء.

استوعبت الدول المتقدمة الدرس جيدًا، وأدركت أن حماية الممارس الصحي ليست رفاهية، بل ضرورة حيوية، لأنه حين يتعرّض للاعتداء، لا يخسر جسده فحسب، بل يخسر المجتمع جزءًا من قدرته على الشفاء، ويفقد النظام الصحي ثقة ثمينة. ففي دول مثل الولايات المتحدة وكندا وعدد من دول أوروبا الغربية، صيغت تشريعات صارمة تمنع الاعتداء على العاملين في القطاع الصحي، انطلاقًا من مبدأ أن هذه الأفعال ليست مجرد تجاوزات فردية، بل تهديد لاستمرارية الخدمة الصحية نفسها. ففي بعض الولايات الأمريكية، يُعامل الاعتداء على الممرضين والأطباء كجريمة من الدرجة الأولى، تُعاقَب بأشد العقوبات المتاحة، بما في ذلك السجن والغرامات الثقيلة، حتى وإن سامح الضحية المعتدي لاحقًا.

وفي المقابل، نواجه في مصر، كما في كثير من البلدان النامية التي تفتقر إلى رؤية تربط الأمن الصحي بأمن المجتمع والوطن، واقعًا تُختزل فيه الاعتداءات على الممارسين الصحيين في نزاعات مدنية عابرة، يُدفع الضحية أحيانًا إلى التنازل عنها تحت وطأة الوساطات، أو عبر محاضر مُضادّة تنتهي باحتجازه، بينما يعود المعتدي إلى حياته بلا رادع حقيقي. ومع تكرار هذا المشهد، يبدأ النظام الصحي في التآكل من الداخل، بصمتٍ موجع.

مصر اليوم تقف أمام خيار حاسم: إما أن تُعلي قيمة حماية الممارس الصحي، وتترجمها إلى نصوص قانونية واضحة وتطبيق صارم لا يعرف التساهل، أو أن تظل الفجوة بين القانون والواقع — وبينها وبين الدول المتقدمة — فجوة طويلة ومكلفة.
آن الأوان أيضًا للتوقف عن تحويل العاملين في القطاع الصحي إلى «كيس رمل» لغضب اجتماعي أعمى، هو في جوهره نتاج مباشر لقصور الدولة عن أداء التزاماتها الصحية، لا خطيئة أطباء أدّوا ما استطاعوا تحت ظروف قاسية.
فالمعركة هنا ليست معركة قوانين فقط، بل معركة قيم ووعي وثقافة؛ احترام الممارس الصحي كمواطنٍ مقدّس الحقوق، وحماية كرامته، واجب دولة ومجتمع معًا، وهو وحده ما يصنع الفارق الحقيقي.

أنا هنا في جدة، أتابع — لا بفضول ولا بدهشة — بل بحزنٍ ثقيل، مشاهد الاعتداء اليومي على الأطباء في مصر: وجوهٌ شابة مشوهة ومُهانة، أنوف مكسورة، ألفاظ سوقية تُقذف بلا خوف، ووقائع موثقة بالفيديو تُنشر كأنها انتصار زائف على رجل أعزل لا يحمل سوى سماعته. وليس سهلًا عليّ، وأنا مصري عربي أعشق تراب بلدي حدّ الوجع، تلك البلاد التي علّمت العالم معنى الدولة، وصدّرت القوانين، وصاغت الدساتير لغيرها، أن أقول لها اليوم بصدقٍ موجع: تعلّمي من السعودية كيف تُدار هذه الأزمة حين تتجاوز حدود الطب، لتلامس جوهر العلاقة بين المجتمع والدولة.

ولو كان الأمر بيدي، ولو امتلكت سلطة القرار في مصر، لما ترددت لحظة واحدة في استنساخ التجربة الصحية السعودية كاملة غير منقوصة؛ بلا خجل ولا تبرير. استنساخ منظومة تقاضٍ عادلة تحترم المريض وتكفل حقوقه كاملة، وفي الوقت ذاته تصون كرامة الطبيب، وتُخضع الخطأ الطبي للقانون لا للبلطجة، وللمساءلة المؤسسية لا للتشهير والغوغاء. منظومة تؤسس لمحاكم طبية متخصصة، تُدار اليوم بكفاءة وصرامة عبر منصات رقمية عن بُعد، على غرار بوابة «ناجز»، وتحمي المحتوى الطبي من “الهبد” والجهل، والإعلان الطبي من الابتذال والاسترزاق. وربما أضفتُ عليها ما يلائم الخصوصية المصرية، لكنني لن أتردد لحظة في حسم جوهر القضية: من يعتدي على طبيب لا يُصالَح ولا يُسترضى، بل يُحاكَم، لأن الاعتداء على الطبيب ليس نزاعًا فرديًا، بل جريمة مكتملة الأركان في حق المجتمع كله.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى