د. ماجد فياض يكتب: لماذا تحب الدولة نموذج «طبيب الغلابة» وتستثمر فيه ؟

عندما كنت صغيرًا، حكت لي أمي، رحمها الله، عن تجربة مرت بها مع أحد الأطباء في قرية مجاورة.
كان طبيبًا بسيطًا، محدود الحظ من الدراسات العليا والإمكانات المهنية. خرج لاستقبال المرضى مرتديًا (جلابية فلاحي وطاقية)، ثم اصطحبهم إلى حجرة بسيطة خصصها للكشف داخل منزله المتواضع، الذي كان يعج بالإوز والدجاج، ويزدحم بالمرضى من كل حدب وصوب.
وكانت أمه، التي يبدو أنها كانت تخشى عليه من الحسد أكثر مما تخشى عليه من ضيق الحال، قد أقلقها هذا الإقبال اللافت على ابنها، إذ قالت لأمي مستنكرة: «أنا معرفش إنتوا بتيجوا تكشفوا عنده ليه؟ ده ما يعرفش حاجة!».
تعجبت أمي، رحمها الله، من هذه المفارقة بين أم تحاول حماية ابنها من الحسد بالتقليل من شأنه، ومرضى لا يكفون عن التوافد عليه.
ظلت هذه الحكاية القديمة عالقة بذاكرتي، ووضعت أمامي أسئلة عديدة، كبرت معي مع مرور السنوات.
لماذا يشعر بعض المرضى بارتياح خاص أمام الطبيب الفقير؟ ولماذا يبدو الطبيب الذي يعيش حياة متواضعة، في نظر البعض، أكثر إنسانية من زميله الذي حقق نجاحًا ماديًا ومهنيًا؟ بل قد يصل الأمر أحيانًا إلى اتهام الأخير بأنه جمع ثروته من دماء المرضى وآلامهم! فهل أصبح النجاح المادي للطبيب قرينة على انتفاء الرحمة، والفقر شهادة حسن سلوك أخلاقي؟
ولماذا يجعل المجتمع أحيانًا من التضحية بالحقوق شرطًا للاعتراف بالإنسانية، ثم يعاقب أخلاقيًا، دون أن يدري، من يطالب بأجر عادل مقابل ما يقدمه من خدمات صحية؟
هل ينبغي أن نقيس إنسانية الطبيب بمقدار ما يتنازل عنه من أجره، أم بما يقدمه من علم حديث ورعاية واحترام لحق المريض؟
ويردد البعض أن الطبيب تعلّم على نفقة الدولة، ولذلك أصبح مدينًا للمجتمع بالتنازل عن جزء من حقوقه. وهنا يبرز سؤال منطقي: أليس الضابط والقاضي والمهندس وغيرهم قد استفادوا أيضًا من منظومة التعليم التي تمولها الدولة؟ وهل يُطلب منهم رد هذا الجميل بالتنازل عن حقوقهم؟ ثم ماذا لو كان الطبيب خريج جامعة خاصة، وقد تحمّل بنفسه تكاليف تعليمه؟ هل تختلف إنسانيته باختلاف الجهة التي تخرّج فيها؟ فهل يصبح التعليم الحكومي صكًّا مفتوحًا لمصادرة حقوق الطبيب المهنية مستقبلًا؟
هل انخفاض أجر الطبيب دليل تلقائي على ضعف الخدمة، وهل ارتفاع أجره ضمان لجودتها؟ بالطبع، كلاهما تعميم مُخلّ. فالمسألة ليست الدفاع عن الأجر المرتفع، بل عن حق الطبيب في ممارسة مهنته بكرامة، وفي ظروف تسمح له بالتطور العلمي وتقديم رعاية آمنة تليق بالمريض، دون أن نجعل من حقوق الفقراء مبررًا للتنازل عن حقوق الأطباء.
ثم يأتي السؤال الأكثر حساسية: لماذا تحب الدولة هذا النموذج وتحتفي به، وتمنحه أحيانًا مساحة واسعة عبر أذرعها الإعلامية؟ فقد وصل الاحتفاء ببعض هذه النماذج إلى استقبال رئيس الوزراء شخصيًا لأحد أشهر من عُرفوا بلقب «طبيب الغلابة»، في حين لا نرى احتفاءً رسميًا مماثلًا بكثير من أساتذة الجامعات والعلماء، حتى ممن نشروا عشرات الأبحاث العلمية.
ما المعايير التي تحكم هذا الاحتفاء؟ وما الذي يجعل نموذجًا فرديًا يحظى بهذا القدر من الاهتمام الرسمي والإعلامي، بينما تظل إنجازات علمية وأكاديمية ومؤسسية أكثر عمقًا وأثرًا حبيسة الظل؟
وأود أن أوضح أنني لا أرى في تقديم خدمة صحية متواضعة، بأجر زهيد وإمكانات محدودة، فضيلة تستحق الإشادة؛ فالعمل الطبي لا يُقاس برخص تكلفته أو بساطة أدواته، وإنما بجودته وأمانه وأثره. أما الخدمة التي لا تستوفي الحد الأدنى من المعايير المهنية والطبية، فقد تتحول من محاولة للرحمة إلى مصدر للضرر.
ولكن لنفترض أن هذه الخدمات تُقدَّم وفق أحدث المعايير العلمية والإمكانات المتاحة، وكان انخفاض أجر الطبيب خيارًا شخصيًا للتيسير على مرضاه، فهل يظل الاحتفاء بتضحيته مجرد تكريم لفضيلة إنسانية، أم قد يتحول، دون أن ندري، إلى غطاء يُعفي المؤسسات من مسؤولياتها؟ فالتضحية حين تكون اختيارًا، تصبح فضيلة، لكنها تفقد معناها حين تتحول إلى واجب يُفرض على الآخرين.
فهل نحن أمام احتفاء إنساني بتجربة فردية تستحق الاحترام، أم أمام رسالة تتجاوز صاحبها، وتستحق التأمل والمساءلة؟ فربما لا تكمن الحكاية في طبيب أحبه الناس بقدر ما تكمن في مجتمع يبحث عن الرحمة في الأفراد، بينما يظل حقه في العدالة غائبًا عن المؤسسات.
يعرف العاملون في القطاع الصحي أن الطب ليس جهدًا فرديًا أو مجرد حسن نية، بل منظومة متكاملة ومكلفة، تقوم على بنية تحتية متطورة، وتجهيزات حديثة، وكوادر مؤهلة، ونظم صارمة للجودة وسلامة المرضى، وتعليم وتدريب مستمرين.
فالطب مسؤولية علمية وأخلاقية، لا تُقاس بنبل النوايا أو انخفاض الأجر، بل بقدرة الطبيب على تقديم رعاية آمنة، قائمة على الدليل العلمي وأحدث التوصيات. فلا ينبغي أن تصبح محدودية الإمكانات مبررًا للتنازل عن جودة الرعاية، ولا أن تحل طيبة النوايا محل المعايير المهنية.
لا تخلو أمة من أبطال تصنعهم ذاكرتها الجمعية، وتحملهم أحلامها وآمالها. لكن صناعة الأبطال لا تكشف عن صورتهم وحدهم، بل عن طبيعة المجتمع الذي يبحث عنهم. ففي ظاهرة تُعرف بـ«الشخصنة»، تميل المجتمعات إلى اختزال القضايا المعقدة في أشخاص استثنائيين، بدلًا من مساءلة المؤسسات والمسؤولين من ورائها. وهكذا يصبح البطل أحيانًا مصدرًا للأمل والتعويض النفسي، حين تعجز المؤسسات عن أداء دورها.
هل تُبنى المنظومات الصحية على تضحيات الأفراد، أم على مؤسسات قوية وسياسات عادلة؟
حين تعجز المؤسسات عن أداء دورها، يصبح من الأسهل صناعة بطل فرد، وتحويله إلى نموذج أخلاقي يُطلب من الجميع الاقتداء به. وهكذا تنتقل المسؤولية من الدولة إلى الفرد، ومن مساءلة السياسات إلى تمجيد الفضائل الشخصية.
فيصبح السؤال: لماذا لا تكون مثله؟ بدلًا من السؤال الأهم: لماذا احتاج المجتمع أصلًا إلى نموذج استثنائي كهذا؟
وهنا تكمن المفارقة؛ فما يستحق التقدير كتضحية نبيلة من فرد، لا ينبغي أن يتحول إلى سياسة عامة أو معيار أخلاقي يُحاسَب الآخرون على عدم بلوغه.
فالمجتمع لا يحتاج إلى أبطال يتنازلون عن حقوقهم ليحصل الناس على العلاج، بل يحتاج إلى مؤسسات تجعل الرعاية الصحية حقًا أصيلًا، وتحفظ للطبيب كرامته، وللمريض حقه في علاج آمن وكريم.
لا أحد ينتظر من الضباط أو المعلمين أن يعملوا بلا أجر، أو من القضاة أن يتنازلوا عن حقوقهم، أو من المهندسين أن يمولوا أعمالهم من جيوبهم، ثم نطالبهم جميعًا بالحفاظ على جودة ما يقدمونه.
فليست المشكلة في أن نصنع الأبطال، أو أن نحتفي بمن اختاروا أن يحملوا عن الناس بعضًا من أوجاعهم، وإنما تكمن المشكلة حين نكفّ عن مساءلة الظروف التي جعلت من التضحية ضرورة، ومن الاستثناء طوق نجاة، ومن الحقوق أحلامًا لا تتحقق إلا على أيدي أصحاب المروءات الاستثنائية.
فنحن لا نريد نظامًا صحيًا تقوم فيه الرحمة والبطولة الفردية مقام العدالة المؤسسية.
عندها فقط، لا تتحول المعاناة إلى قدر، ولا التضحية إلى شرط للحصول على الحقوق.





