أهم الأخبارمنتدي الدكاترة

د. ماجد فياض يكتب.. هل الأمراض عقاب غذائي وخطيئة على المائدة؟

بغضّ النظر عن بدائيتها—سواء كانت قطعة لحم أُلقيت على الجمر، أو جذرًا نباتيًا دُفن في رماد النار.

فإن أول “وجبة مطهُوّة” كانت حدثًا ثوريًا بكل المقاييس. لم يكن الطهي مجرد حيلة للبقاء، بل لحظة فاصلة غيّرت البيولوجيا قبل أن تُغيّر الثقافة؛ سهّل الهضم، ورفع كفاءة امتصاص الطاقة، وقلّص حجم الأمعاء، ومهّد الطريق لتضخّم الدماغ. لذلك يرى كثير من علماء التطور أن الإنسان لم يصبح “عاقلًا” بفضل التفكير وحده، بل بفضل النار التي سبقت الفكرة ومهّدت لها. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الأكل فعلَ ضرورةٍ غريزية، بل صار فعلَ حضارة.

حول النار تشكّلت الجماعة، وتخلّقت اللغة، وبدأ الزمن الاجتماعي يأخذ معناه. لم تُبدّل أول وجبة مطهُوّة ما يجري في المعدة فحسب، بل أعادت رسم مصير النوع البشري بأكمله. ومنذ ذلك الحين، لم يعد الطعام شأنًا بيولوجيًا خالصًا، بل دخل مبكرًا إلى مجال المعنى والضبط الأخلاقي، فاهتمّت به الأديان كما اهتمّت به الفلسفات.

في الخطاب الديني، لم يُنظر إلى الطعام بوصفه مصدر قوة فحسب، بل كاختبار للانضباط والوعي؛ ففي الإسلام يأتي التحذير البليغ: «ما ملأ ابنُ آدم وعاءً شرًّا من بطنه»، وتُجسِّد المقولة التراثية «المعدة بيت الداء» هذا الربط المبكر بين الإفراط الغذائي والمرض. أمّا الفلاسفة، فقد التقطوا المعنى ذاته بلغة أخرى، فرأوا في الطعام مرآةً للإنسان، وسلوكًا كاشفًا لطباعه واختياراته.

لقد توقّف كبار الفلاسفة طويلًا عند الغذاء، لا بوصفه فعل إشباع جسدي عابر، بل باعتباره عنصرًا فاعلًا في تشكيل الإنسان فردًا ومجتمعًا. أفلاطون رأى في الإفراط في الطعام مدخلًا لفساد النفس واضطراب المدينة، وربط بين الاعتدال الغذائي وصفاء العقل، معتبرًا البساطة شرطًا للحكمة. وأرسطو، من منطلق «الاعتدال الذهبي»، نظر إلى الطعام كضرورة لحفظ الجسد، محذّرًا من أن الإفراط يخلّ بالتوازن الذي تقوم عليه الفضيلة.

وفي الفلسفة الرواقية، شدّد إبكتيتوس وسينيكا على أن السيطرة على الشهوة الغذائية هي جزء من الحرية الداخلية، وأن من يعجز عن ضبط بطنه يعجز عن ضبط نفسه. ومع الفلسفة الحديثة، دعا جان جاك روسو إلى الطعام الطبيعي البسيط بوصفه الأقرب إلى فطرة الإنسان، بينما قدّم نيتشه قراءة نقدية لاذعة حين رأى أن كثيرًا من الأخلاق والفلسفات ليست سوى «مشكلات هضم»، في إشارة ساخرة إلى أثر الغذاء في التفكير.

وعلى النهج ذاته، عبّر بعض مفكري العصر الحديث عن هذه العلاقة بعبارات مكثفة بالغة الدلالة؛ فبريا-سافاران لخّصها بقوله: «قل لي ماذا تأكل، أَقُل لك من أنت»، جاعلًا الطعام مرآةً للذوق والثقافة ونمط العيش، بينما ذهب فيورباخ خطوة أبعد حين قال: «الإنسان هو ما يأكل»، مؤكدًا أن الوعي نفسه يتشكّل في جسدٍ يتغذّى. وبين هاتين الرؤيتين، ينتقل الطعام من كونه علامة ثقافية على الإنسان، إلى كونه أساسًا وجوديًا يُسهم في تشكيل وعيه ومصيره.

أما من الناحية الطبية، ففي الدول المتقدّمة، لم ينشأ طبّ التغذية فجأة، بل تبلور تدريجيًا مع بدايات القرن العشرين، عندما أدّت الحروب والمجاعات إلى إدراك العلاقة الحاسمة بين الغذاء والأمراض. وقد ساعد اكتشاف الفيتامينات وفهم أمراض النقص الغذائي، مثل الإسقربوط (Scurvy)، وهو مرض ناتج عن نقص فيتامين C وكان شائعًا بين بحّارة القرون الوسطى والعصر الحديث المبكر الذين قضوا أشهرًا في البحر دون فواكه وخضروات طازجة، وكذلك الكساح، في تمهيد الطريق للاعتراف بالتغذية كعلم طبي مستقل.

وقد ساهم اكتشاف دور الليمون والحمضيات في علاج الإسقربوط في توضيح العلاقة المباشرة بين الغذاء والصحة، ومهد الطريق لفهم أعمق لدور التغذية في الوقاية والعلاج. بعد الحرب العالمية الثانية، ومع صعود الطب الوقائي والطب القائم على الأدلة، أصبح لطب التغذية مكانه داخل المستشفيات والجامعات، وارتبط مباشرة بإدارة الأمراض المزمنة كالسمنة والسكري وأمراض القلب والسرطان.

وبصورة دقيقة ومنضبطة تاريخيًا، فإن أول قسم أكاديمي مستقل لعلم التغذية بالمعنى الجامعي الطبي الحديث ظهر في جامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1942، ويُعترف عالميًا بأن هذه اللحظة شكّلت نقطة التحول التي انتقل فيها “الأكل” من كونه نصيحة عامة إلى مجال أكاديمي منظّم داخل قاعات الدرس والمعامل وأبحاث الطب الحديث.

أمّا في مصر، فقد تأخر هذا المسار؛ فالتغذية ظلّت طويلاً تُرى كمجال تثقيفي أو اجتماعي أكثر من كونها علمًا طبيًا مستقلًا. ومع الضغوط الوبائية الحديثة، وخصوصًا انفجار معدلات السمنة والسكري، بدأ الاعتراف المؤسسي بطب التغذية، فظهرت الأقسام الأكاديمية تدريجيًا، لا بوصفها ترفًا علميًا، بل كاستجابة ضرورية لحاجة صحية ملحّة.

وحتى سنوات قريبة، لم يكن لطب التغذية حضور أكاديمي واضح في كليات الطب، ولم يكن له قسم مستقل أو تخصص محدّد، وما يزال طلاب الدراسات العليا يتوزعون بين أقسام متفرقة، مثل الرعاية المركزة وغيرها من الأقسام.

وما يزال التعامل مع التغذية هامشيًا في كثير من الأماكن، متناثرًا بين محاضرات متفرقة، بلا هوية علمية واضحة أو مسار مهني محدّد. لكن اليوم يتغيّر المشهد، إذ تنتشر أقسام طب التغذية في معظم كليات الطب، وبدأ الاعتراف بها كتخصص حقيقي يفرض نفسه على الخريطة الطبية الحديثة.

لكن المحزن حقًا، هو ظهور أحد الأطباء الذي يزعم نظرية طبية جديدة، تقول إن كل الأمراض ما هي إلا عقابٌ غذائي أو خطيئة على المائدة؛ من أول انفصال الشبكية حتى سرطان البروستاتا، وأن القولون هو سر السعادة والشقاء، وأن الأطباء التقليديين ليسوا سوى تروس في ماكينة شركات الأدوية.

إذ لماذا يولد طفل توأم بعيب خلقي بينما توأمه الآخر سليم؟ نعم يحدث ذلك وهما يعيشان في نفس رحم الأم ويشتركان في نفس الطعام. ولماذا يُصاب شاب رياضي، يتناول طعامًا صحيًا، بجلطة أو بفشل عضلة القلب؟

الأمراض لا تنشأ دائمًا بسبب ما نأكله. فقد تكون الجينات معطوبة منذ البداية، فهناك أطفال يولدون وخللهم مكتوب في خلاياهم قبل أن يتذوقوا أول رضعة أو لقمة. وقد يكون السبب عدوى—بكتيريا، فيروس، فطر—لا تسأل عن نوع الطعام أو طريقة الطهي. أحيانًا تكون الاضطرابات هرمونية، أو تلفًا تدريجيًا في الأعضاء بفعل الزمن، الذي هو بدوره عامل مرضي لا يرحم.

وهناك أمراض تنشأ من خلل في جهاز المناعة، فتهاجم الجسم بدل أن تحميه، وأمراض نفسية عصبية مصدرها كيمياء الدماغ والضغط والتجارب القاسية، بالإضافة إلى الإصابات والحوادث، والأمراض المهنية والبيئية، وحتى المرتبطة بالصناعات، التي يُعنى بها تخصص باسم طب الصناعات.

ومن يقول إن أصل كل داء هو الغذاء، إنما يقذف عرض الحائط بكل علوم الباثولوجيا وعلم الأمراض، وكل العوامل المهيئة والمسببة للأمراض. لا يبسط الطب، بل يلغيه. والله لقد صدق ابن خلدون حين قال: “إذا غلبت البساطة على العقول، فُتح باب الخرافة”.

نعم الأمراض ــ في جوهرها الطبي الصرف ــ ليست عقابًا أخلاقيًا ولا قصاصًا سماويًا مباشرًا على ما نضعه فوق المائدة. هي نتيجة تفاعل معقّد بين الوراثة، والبيئة، ونمط الحياة، والصدف البيولوجية التي لا تستأذن أحدًا.

هذا التفسير الغذائي الشاذ يُريح الوعي الكسول، لكنه يُسيء للعلم، ويُجحف بالإنسان، ويحوّل المرض من حالة تستحق الرعاية الطبية إلى وصمة تستدعي الإدانة في محكمة الطعام .

د. ماجد فياض

استشارى جراحة الكلى والمسالك البولية بالمستشفى السعودي الألماني بجدة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى