أهم الأخبارتقارير وحوارات

محلات تجارية أو علاج الأطفال والمراهقين .. أيهما الأكثر ربحًا

نشرت منظمة الصحة العالمية، في أغسطس 2020، بيان صحفي تضمن إحصائيات مفزعة، فقد ذكرت معاناة مليار شخص على مستوى العالم من الإضطرابات النفسية، و فقد حوالي ثلاثة ملايين شخص حياتهم بسبب التناول الضار للكحول، كما أن هناك شخص ينتحر كل 40 ثانية.

وأشار البيان، إلى أن جائحة كورونا ستؤدي إلى مزيد من المشاكل النفسية للناس. و ذكر البيان الصحفي للمنظمة أنه في البلدان المتوسطة و منخفضة الدخل أكثر من 75% من المصابين بإضطرابات نفسية وتعاطي المخدرات لا يتلقون أي علاجات لحالتهم الصحية.

كما أكد البيان أن الدول لا تنفق على الصحة النفسية أكثر من 2% من ميزانياتها المخصصة للصحة، بينما يذكر أن الإضطرابات النفسية و السلوكية تمثل 13% من عبء الأمراض في العالم.

تكلفة الإضطرابات النفسية و الإدمان
تعني هنا التكلفة، ما يتم فقده من إنتاجية الأفراد المرضى بالعلل النفسية وإدمان المخدرات، والمشاكل المترتبة التي تصيب محيط هولاء المرضى ومجتمعهم الأوسع، إضافة إلى تكلفة العلاج.

ثمة دراسات قليلة أُجريت في هذا الشأن، ففي أمريكا عام 1990 وجد أن تكلفة المشكلات و العلل النفسية تقدر ب 2.5% من إجمالي الناتج القومي للولايات المتحدة الأمريكية،ما يعادل 148 بليون دولار أمريكي بحسب أسعار عام 1990.

ونشر باحثون أخرون في عام 2000 أن الولايات المتحدة الأمريكية قد أنفقت عام 1997 على علاج الصحة النفسية و الإدمان مبلغ قدره 85.3 بليون دولار أمريكي كان منها 73.4 بليون دولار لعلاج العلل النفسية و 11.9 بليون دولار لعلاج الإدمان.

و في عام 2000 نشرت منظمة العمل الدولية دراسة أوضحت أن تكلفة المشكلات النفسية في الدول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي تتراوح بين 3% و 4% من إجمالي الإنتاج القومي منها 2% تقريبًا ما يُصرف على الرعاية الصحية، و في عام 1998 قدرت تكلفة المشكلات النفسية في كندا 14.4 بليون دولار كندي منها 8.1 بليون دولار تكلفة الإنتاجية الضائعة و 6.3 بليون دولار كندي تم صرفها على العلاج، أما في بريطانيا فقدرت التكاليف الإجمالية للإضطرابات النفسية عام 1997 ب 22 بليون جنيه استرليني تعود 10 بليون تقريبًا للإنتاجية الضائعة.

وقد نوه نفس التحقيق الذي نشرته منظمة الصحة العالمية أن دراسات أكدت أن العواقب بعد سن البلوغ تكون هائلة إذا لم تتوفر المعالجة الفعالة للإضطرابات النفسية في مرحلة الطفولة. ودراسة أخر أكدت أن الأطفال ذوي الإضطرابات السلوكية يسببون تكاليف إضافية كبيرة بين سن ال 10 و ال 27 عامًا،و أن هذه التكاليف تتعلق بالتعليم و القضاء الجنائي و ليست بالصحة بشكل أساسي..لم أستدل على أبحاث تتعرض لتكلفة الأمراض النفسية و الإدمان في أيًا من الدول العربية.
حجم المشكلة في مصر
تحت عنوان” الصحة النفسية و سوء استعمال المواد المخدرة بين طلبة المدارس الثانوية”،أجرت الأمانة العامة للصحة النفسية التابعة لوزارة الصحة عام 2016 دراسة بحثية على طلبة المدارس الثانوية في العمرية 15 حتى 19 عامًا،و خلصت نتائج الدراسة أن 29.8% من الطلبة يعانون أعراض نفسية مثل أعراض القلق و الإكتئاب و الوسواس القهري،و أن 21.7% منهم يفكرون في الإنتحار.

وبرغم هذا وجد أن 4.8% فقط من الطلاب الذين يعانون أعراض نفسية يتابع مع أطباء نفسيين،و 3% مع الأخصائي الإجتماعي بالمدرسة،و 2.5% يستشيرون أخصائيين في علم النفس ،و 2.1% يستشيرون الصيادلة ،و يلجأ 6.5% منهم لرجال الدين، بينما يكتفي 23.3% منهم بالفضفضة مع صديق ،و يحتفظ 60.5% منهم بمشكلاته النفسية دون أن يلجأ لأحد.

أما معدل إنتشار المواد المخدرة بين هولاء الطلاب كان 0.86%،أكثر من نصفهم أقلعوا نهائيًا عن الإستعمال، و 16.3% أقلعوا و لكنهم إنتكسوا و عادوا لإستخدام المواد المخدرة، بينما صرح 32.6% منهم بأنهم لم يتوقفوا من قبل عن التعاطي.

وتوضح الدراسة أن من بين كل مجموعة الطلبة التي استخدمت المواد المخدرة و التي تشمل الذين أقلعوا نهائيًا و الذين انتكسوا و الذين لم يتوقفوا ،فقط 55% منهم لجأوا لمساعدة أخرين، كان 33.4% لجأوا للعلاج عند طبيب نفسي، 19.9% مع صيدلي ، 15.5% بمعاونة صديق، 8.9% مع اخصائي نفسي، 8.9% مع رجل دين و 5.3% مع الأخصائي النفسي في المدرسة.

وضمن نتائج البحث القومي للإدمان الذي شمل جميع محافظات مصر على مدار عدة سنوات من 2005 حتى 2012،اتضح أنه يوجد أكثر من 3.5 مليون مصري يعانون من الإدمان و أن 10.9% من هولاء بدأوا إستخدام المخدرات و الكحوليات من عمر 10 إلى 15 عامًا ،و نسبة 27.6% منهم بدأوا بين عمر ال 16 إلى 19 عامًا.

كلام مسوؤلي الصحة النفسية
تكتب د.منن عبد المقصود ربيع، رئيس و منسق البحث الذي أُجري عام 2016 على طلاب المرحلة الثانوية وتشغل حاليًا منصب الأمين العام للأمانة العامة للصحة النفسية “تعتبر إضطرابات المخدرات من الأمراض التي تخلف مشاكل مركبة إجتماعية وقضائية بخلاف المشكلات الصحية و النفسية،ولذلك كان علاج التعاطي و الإدمان من أولويات إهتمامات القطاع الصحي للدول،فضلًا عن أن آفة المواد المخدرة تجعل من المواطن السوي مريضًا غير قادر على الإنتاج و غير مقبول من المجتمع،فإنها أيضًا تأكل في عضد و ترابط الأسرة إجتماعيًا و في أغلب الأحيان ما تتفاقم معها المشكلات الإجتماعية التي تهدد استقرار و قوام الأسرة.وللأسف طالت مشكلة التعاطي والإدمان جمهورية مصر العربية ضمن الدول التي طالتها”.

أما د.هشام رامي أمين عام الأمانة العامة للصحة النفسية و علاج الإدمان السابق، فيكتب ضمن كلمته في مقدمة نفس الدراسة ” حيث أن مشكلة التعاطي و الإدمان أصبحت على رأس التحديات التي تعوق التنمية في الكثير من الدول، فقد صار واجبًا من واجبات الأمن القومي أن تقوم الأمانة العامة للصحة النفسية و علاج الإدمان بوضع خطة فاعلة و حثيثة لتطوير خدمات الصحة النفسية و علاج الإدمان و التوسع في خلق منافذ جديدة لتلك الخدمات لكي تغطي جميع محافظات مصر ،و أن تسعى بكل إمكانياتها بالتعاون مع جميع الوزارات و الجهات المعنية لإنجاز تلك الخطة و تذليل العقبات و التحديات التي تعوقها”.

سور مستشفي العباسية للصحة التفسية

واقع يُخالف الكلام
مشروع وحيد لا يوجد له مثيل في الشرق الأوسط، يجعل مصر قبلة للطب النفسي و يوفر المليارات من التكلفة الضائعة كما يجلب مليارات مثلها من الأبحاث و علاج المرضى،منتصف عام2013 بدأت فكرة إنشاء مركز قومي للأمراض النفسية و الإدمان لدى الأطفال و المراهقين،يشمل مستشفى للحجز الداخلي بطاقة 200 سرير و عيادات خارجية و مركز رعاية نهارية إضافة إلى مركز بحثي.

منذ هذا التاريخ و المشروع القومي الذي مقررً إقامته داخل مستشفى العباسية للصحة النفسية،يُصارع البيروقراطية تارةً بين تسلط حي مدينة نصر و أخرى بين إهمال الأمانة العامة للصحة النفسية مرورًا،و تم صرف أكثر من مليون و ثمانمائة الف جنيه على إعداد المستندات و الرسوم الهندسية.

إلى أن أتى سبتمبر الماضي فأصبح حلم الأطفال و المراهقين و المهتمين بهم يُصارع الموت،و الجهة المعنية هي التي تحاول أن تؤأد هذا المشروع الحلم، فأمانة الصحة النفسية بالتعاون مع إدارة مستشفى العباسية للصحة النفسية قد بدأت إتخاذ خطوات فعلية لتأجير قطعة أرض من المستشفى مساحتها 7500 متر مربع إلى إحدى الجهات الحكومية لإقامة مول تجاري عليها، في مقابل أن تستحوذ المستشفى على 40% من أرباح المحلات التجارية و الباقي للجهة الحكومية،قطعة الأرض هذه من ضمن المساحة المخصصة لإقامة المركز القومي لعلاج الأطفال و المراهقين من الأمراض النفسية و الإدمان..فأيهما أصدق، الواقع أم الكلام،و أيهما أربح،المحلات التجارية أم أطفال مصر و شبابها.

صورة من مخطط تحويل جزء من سور المستشفى لمحلات تجارية

تقرير كتبه:

د. أحمد حسين 

عضو مجلس النقابة العامة للأطباء سابقا

 

موضوعات ذات صلة »

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى