د. أسامة حمدي يكتب: الطبيب والمريض ضحيتان.. فمن منهما نلوم؟
أثار الرأى الشخصي للدكتور خالد أمين، الأمين المساعد للنقابة العامة للأطباء، بشأن أجور الأطباء في مصر، زوبعة، أرى أنها جاءت كاشفة لوضع دفنا فيه رؤوسنا في الرمال سنين حتى لا نراه، أو نعترف به؛ فإنكار مشكلاتنا لا يحلها، بل يؤجلها لتتفاقم في المستقبل، حينها يصبح الحل صعبًا ومُجهدًا.
لقد حاول البعض في نقاشه المتسرع أن يصورها بأن نقابة الأطباء ضد مصلحة المواطن البسيط، وفي صف طبيب القطاع الخاص الذي هو -مع الأسف الشديد- ما زال في نظر المجتمع جشعًا ومستغلًا، ولا يهمه إلا المال، ويعمل بعيدًا عن البعد الإنساني المنوط به، وهى صورة مخالفة للحقيقة.
وحاول البعض الآخر؛ لغرض في نفسه -أعرفه وتعرفونه- أن يؤلِّب فيها المجتمع ويحرِّضه على ما تبقى لنا من أطباء، ويُحدث بلبلة نحن في غنى عنها، تهدد استقرار هذا الوطن الغالي. وأنا أرى أن تلك قراءة ساذجة وعبثية للمشهد الصحي المتشابك في مصر، الذي أصبح أهم ضحاياه “المريض” و “الطبيب” معًا! فلقد تناسي الجميع جوهر القضية الأصلي، وتعلقوا فقط بروافدها، فالأصل الذي يجب أن لا نتجاهله؛ والوضع الطبيعي:
١- أن يتلقى المريض المصري خدمته الصحية التي كفلها له الدستور مجانًا، وبجودة عالية، في جميع المستشفيات الحكومية والجامعية، ومستشفيات التأمين الصحي مقابل ما يدفعه من ضرائب ورسوم.
٢- أن يعمل الأطباء في هذه المستشفيات بأجر محترم، يكفل لهم حياة كريمة، ويتناسب مع سنين التدريب الطويلة التي قد تصل إلى ١٥ سنة.
لكن الضحية الأولى (المواطن) لا يتلقى هذه الخدمة على الوجه الأمثل لأسباب عدة، أهمها كثافة عدد المرضى، وقلة عدد المستشفيات، وقلة الإمكانات في كثير من هذه المستشفيات، رغم وجود أطباء بها على درجة عالية من التدريب والكفاءة.
والضحية الثانية (الطبيب) لا يحصل على أجره الذي يستحقه في هذه المستشفيات، والذي يسمح له بحياة كريمة، فيضطر -مرغمًا- إلى العمل الخاص!
والنتيجة أن الضحية “الأولى” يذهب مضطرًا بعقد غير مكتوب إلى الضحية “الثانية” بعيدًا عن المستشفى الحكومي أو الجامعي ليتلقى خدمة طبية هو مضطر لها ولا ترتاح لها نفسه. وبالمناسبة هى نفس مشكلة التعليم حين يلجأ الطالب إلى المدرس الخاص، أو المَدرسة الخاصة؛ لأنه لم يجد البديل التعليمي المفترض وجوده في المدرسة الحكومية من تعليم مجاني عالي الجودة، وراتب للمعلم يكفيه ويستره، فتتعالى الشكاوي من مشكلة الدروس الخصوصية، وكأنها أساس المشكلة.
والطبيب، المضطر إلى فتح عيادة خاصة ليحسن بها دخله، يحدد كشفه بعد حساب كل مصاريفه الشهرية overhead cost، التي في بعض الأحيان قد تقارب قيمة الكشف، فبين الإيجار الباهظ، ومصاريف العاملين في العيادة، والمرافق، والأدوات المستخدمة، والتجهيزات، وأقساط الأجهزة الطبية، والرسوم المفروضة عليه، والضرائب، ورسوم التخلص من النفايات، والحماية المدنية، وتأمينات العمال، والالتزامات الأسرية كأي مواطن في ظروف الغلاء، مضافًا إلى ذلك كله “العكننة” المستمرة عليه من تفتيش كل أجهزة الدولة، والادارات المحلية ورسومها وغراماتها التي ترهق كاهله! وعادة ما يكون هذا الكشف فوق مقدرة الضحية الأولى المضطر أصلًا إليها والرافض لها، والذي لا يفهم منابع تكلفتها، فيعتقدها استغلالًا له، فهو يرى الرقم ولا يرى أو يدرك ما خلفه، ثم يأتي الإعلام غير المسؤول والأهوج للنفخ في هذه النار!
ولقد قابلت كثيرًا من الأطباء في زياراتي لمصر، والذين أقسموا لي أنهم مستعدون لغلق عيادتهم الخاصة فورًا لو وجدوا البديل، “طهقًا” وضجرًا من الضغوط عليهم من كل اتجاه، أو الهجرة وترك البلد.
ولكن الآن ما البديل أمام المريض المضطر، وأمام الطبيب الذي يعود أيضًا إلى منزله ليجد الغلاء يحيط به من كل اتجاه؟ نعم هي مهنة إنسانية، ولها قدسيتها، ولكن الواقع المر هو: كيف يعيش الطبيب بصفته مواطنًا هو أيضًا؟ لذا فإن الضحية الأولى والضحية الثانية في نفس البوتقة، ولو وجد كلاهما البديل ما اضطر إلى غيره.
وللأمانة أقول إن وزارة الصحة -المنوط بها حل المشكلة من جذورها- تعاني هي أيضًا نقصًا في مخصصات الدولة للقطاع الصحي، فبدلًا من أن تحصل على ٨-١٠٪ من الدخل القومي -كما في الدول الأخرى- لا يزيد الإنفاق الحكومي على ١،٧ إلى ١،٨٪ من الدخل القومي، كما أن الإنفاق الصحي ككل، بما فيه الحكومي والخاص، لا يتجاوز ٥٪ من الدخل القومي، فأصبحت الوزارة هى الأخرى كالتي “تغزل برجل حمار” في ظل ما تحصل عليه من موارد؛ فهى تريد أن تقدم خدمة جيدة ومجانية ولا تستطيع، وتريد أن تعطي الأطباء ما يستحقون ولا تملك في ظل ما هو متاح لها من موارد، فيبقى دخل الطبيب على مستوى الحد الأدنى للأجور! وكم أتمنى أن يطالب وزير الصحة الدولة بزيادة مخصصات وزارته. ألم أقل لكم إن المشكلة أكبر بكثير من قمة الجبل الظاهرة منه فوق الماء، ولن تحل في يوم وليلة؟!
أتفهم أن رأي الدكتور خالد رأى شخصي بحت ولا يعبر من قريب أو بعيد عن رأي النقابة والتي أصدرت بيانًا بذلك، ولكني أتمنى منه -مادام قد تكلم في هذا الموضوع برأى شخصي- أن يعرض القضية بمنظور أشمل وأعم من مجرد أجر الطبيب في العيادة الخاصة، فالموضوع أعمق بكثير من رأس جبل الثلج الذي نراه جميعًا فوق السطح، وهناك مسئولية انسانية كبيرة تجاه المرضى.
أما عن النقابة فأنا أعرف انها تسعى جاهدة أن تكون متوازنة بين الضحيتين، وتسير هي ونقيبها الهمام على حبل مشدود بعصا موزونة، ليس لها القدرة على السحر، أو صنع المعجزات، ولكن السعى لتحقيق التوازن بين مقدم الخدمة ومتلقيها بما يحقق الصالح العام، ويقدم الخدمة الطبية والانسانية بما يخدم المواطن البسيط ولا يقصم ظهره! ويجب على الجميع وأولهم الاعلام النظر بعيدًا عن أطراف المشكلة، فما هم الا ضحايا في وجهة نظري، والنظر الى جوهر المشكلة الحقيقي في نقص الانفاق الحكومي على الصحة ومطالبة الدولة برفعه للمستويات العالمية، أو التفكير من خارج الصندوق لوضع الحلول.
ولقد اقترحت مرارًا -حلًا لهذه المشكلة العويصة- التوسع في المستشفيات الأهلية غير الهادفة للربح والمعفاة من الضرائب، والتي تقدم خدمة عالية الجودة بسعر منخفض تحت ادارة مستقلة تعطي الطبيب الأجر الجيد الذي يغنيه عن العمل الخاص كما في بعض الدول المتقدمة، وأتمنى أن ننظر إلى هذا الحل بعين الاعتبار. وفي التعليقات شرحه.
د. أسامة حمدي
أستاذ أمراض السكر بجامعة هارفارد





