أهم الأخبارمنتدي الدكاترة

د. ماجد فياض يكتب: لماذا ينفجر الغضب ضد الأطباء؟

 

من يتأمل الانفجار الشعبي الذي صاحب منشور الدكتورة أمنية سويدان عن تجربتها داخل قسم النساء والتوليد عام 2020 في مستشفى الشاطبي بالإسكندرية، سيدرك أن القضية تجاوزت حدود منشور فردي أو شهادة شخصية؛ لأن هذا التفاعل الشعبي الكاسح كشف ما هو أخطر من القصة نفسها: وجود احتقان مجتمعي سابق ومتراكم تجاه المنظومة الطبية، جعل الناس مستعدين لتصديق أسوأ الروايات فورًا، دون انتظار تحقق أو دليل.

ففي لحظات الغضب الجمعي، لا تعود الحقيقة وحدها هي التي تقود الرأي العام، بل تتحرك معها ذاكرة مثقلة بتجارب سابقة، وانطباعات متراكمة، وقصص غير مروية ظلت حبيسة الصدور لسنوات، تبحث عن لحظة انفجار.

والذي يهمني قبل إبداء الرأي في هذه القضية هو سؤال أبسط وأعمق: هل يملك المريض المصري طريقًا آمنًا ومحترمًا يروي من خلاله ما جرى له دون خوف أو تجاهل؟

لهذا أرى أن الوقت قد حان لإنشاء قسم مستقل داخل المستشفيات الكبرى تحت اسم «تجربة المريض»؛ تكون مهمته الإنصات المنظم لشهادات المرضى، وفهم ما مرّوا به إنسانيًا قبل أن يكون طبيًا، تنقل الشكوى من انفعال عابر على منصات التواصل إلى معرفة مؤسسية قابلة للفهم والتصحيح. والتجارب الناجحة حولنا تثبت أن الإنصات المنظم جزء من العلاج نفسه، لا شيئًا زائدًا عليه. فذلك لا يحفظ حق المريض فقط، بل يحمي الطبيب أيضًا من الظلم والتشهير؛ فالطب لا يُقاس فقط بنجاح العملية أو سلامة التشخيص، بل أيضًا بما يتركه في نفس المريض: كرامةً محفوظة… أو جرحًا لا يُنسى.

أما رأيي في هذه الشهادة، فأراها تحمل قدرًا من الحقيقة، لكنها في الوقت نفسه تتضمن مغالطات مهنية ناتجة عن محدودية الخبرة، بحكم كونها صادرة عن طبيبة امتياز في بداياتها. كما تتضمن مساحة من التعميم والتشهير غير الموثق، وهو ما يضر بالثقة في المنظومة الطبية ككل، ويُربك العلاقة بين المجتمع والأطباء. وفي المقابل، فإن الشهادات الفردية محدودة الخبرة قد تخلط بين الانطباع الشخصي والتقييم المهني، مما يجعل التعميم—سواء في اتجاه التبرئة المطلقة أو الإدانة المطلقة—اختزالًا مخلًا بحقيقة أكثر تعقيدًا.

ولهذا أختلف بالقدر نفسه مع خطابين متقابلين: خطاب الدفاع المهني الأعمى الذي يرفع شعار “كل الأطباء ملائكة”، وخطاب الغضب الشعبوي الذي يصرخ بأن “كل المنظومة فاسدة”. الواقع لا يسكن الأطراف، بل يتموضع غالبًا في منطقة رمادية تتداخل فيها البراءة مع الخطأ، والضغط مع التقصير، والإنسانية مع العطب.

وقبل الدخول إلى تفاصيل المشهد المصري، من المهم تثبيت حقيقة أوسع من الحدث نفسه: ما يُناقش هنا ليس حالة محلية معزولة، بل جزء من نمط عالمي موثق في الأدبيات الطبية والاجتماعية تحت مسمى “العنف أثناء الرعاية التوليدية” أو “تعنيف الوالدة”. وهو مفهوم لم يولد كاتهام فردي للأطباء، بل كإعادة قراءة لعلاقة معقدة بين ضغط الأنظمة الصحية، وثقافة الممارسة داخل غرف الولادة، وحدود التواصل الإنساني في لحظات الألم القصوى.

في فرنسا وإسبانيا، دفعت شهادات نساء عن تدخلات غير مبررة أو غياب الشرح الكافي أثناء الولادة إلى فتح نقاش وطني حول معنى “الرعاية” نفسها، لا بوصفها إجراءً طبيًا فقط، بل تجربة إنسانية كاملة تمس الكرامة والاختيار. وفي المكسيك والبرازيل، تحوّل الأمر إلى اعتراف رسمي بوجود “العنف التوليدي”، تلاه إدخال إصلاحات تربط جودة الخدمة ليس فقط بنتائجها السريرية، بل بمدى احترام المرأة وحقها في المعرفة والموافقة. وحتى في بريطانيا والولايات المتحدة، حيث تتقدم الأنظمة من حيث البنية، كشفت المراجعات أن الخلل لا يكمن دائمًا في المهارة الطبية، بل كثيرًا في التواصل، واللغة، وطريقة إدارة لحظة الألم والضعف.

والخيط الجامع بين هذه التجارب ليس غياب المشكلة، بل شجاعة تسميتها أولًا، ثم إعادة تعريف الولادة نفسها: من حدث طبي عالي الضغط إلى تجربة إنسانية شديدة الحساسية، لا يُقاس نجاحها فقط بسلامة المولود، بل بقدر ما تُصان فيها كرامة الأم.

المنظومة الطبية المصرية ليست مثالية، وتقدم خدمات صحية ضمن حدود إمكانياتها المادية، وهو ما يفرض بطبيعته قيودًا وضغوطًا واضحة على الأداء. لكنها في الوقت نفسه ليست بلا قواعد أخلاقية حاكمة لأفرادها. قد تتأخر في التصحيح، وقد تتردد، وقد تدفعها الضغوط أحيانًا إلى الصمت المؤقت، لكنها في لحظة الحقيقة تملك القدرة على أن تقول “لا” لأبنائها، بل أن تفصلهم وتشطبهم إذا تجاوزوا حدود المهنة.

وقد شاهدت ذلك بنفسي في عام 2005، حين كنت طبيبًا مقيمًا في قسم المسالك البولية بجامعة عين شمس. رأيت كيف فُصل أحد الأطباء المقيمين بعد جلسات تحقيق موسعة وانعقاد مجلس القسم، رغم أنه كان من أوائل دفعته، شديد الذكاء والتفوق العلمي، إلا أنه تجاوز أخلاقيًا مع بعض المرضى.

وسمعت أيضًا عن طبيب مقيم في النساء والتوليد لقي المصير نفسه. يومها أدركت أن المنظومة الطبية، مهما بدا صوتها خافتًا، تملك آلية تطهير ذاتي لا يراها كثيرون، لكنها تعمل حين تُمسّ الحدود التي لا يجوز تجاوزها.

وفي المقابل، فإن تجارب المرضى مع ممارسات فردية سيئة أو تواصل جاف، حتى وإن كانت محدودة، تترك أثرًا يتجاوز لحظة العلاج نفسها؛ فالمريض لا يحتفظ بذكرى الألم أو التشخيص فقط، بل بصورة كاملة عن المنظومة. ومع تكرار هذه الخبرات أو تضخيمها عبر السرد الاجتماعي، تتآكل الثقة تدريجيًا. وفي هذا السياق، لا يهاجم المجتمع الأطباء بقدر ما يفرّغ تراكمًا طويلًا من مشاعر الإهانة والاستغلال وغياب الرحمة وانعدام الشفافية، المرتبطة بلحظات غاب فيها الإنصات، أو طغى فيها التعالي، أو اختلطت فيها المصالح، أو غابت فيها مساءلة الخطأ.

وفي أحيان كثيرة، لا يتوقف التوتر مع الطبيب عند حدود التجربة العلاجية، بل يمتد إلى طبقة أعمق ترتبط بالصعود الاجتماعي والمهني للطبيب، وما قد يثيره ذلك من مقارنات أو شعور ضمني بالمسافة أو غياب العدالة، وأحيانًا تتداخل فيه انفعالات إنسانية معقدة لا يمكن اختزالها في الحقد أو الحسد وحدهما، بل تمتد إلى إحساس أوسع بالاختلال الاجتماعي وتفاوت الفرص.

وأحيانًا، لا يُوجَّه بعض المصريين الغضب دائمًا إلى مصدره الحقيقي، خصوصًا حين يكون هذا المصدر محاطًا بالقوة أو السلطة أو الخوف. وهنا تحدث آلية “الإزاحة”، حيث يُعاد توجيه الانفعال نحو الحلقة الأقرب والأضعف والأكثر احتكاكًا بالحياة اليومية، فيصبح الطبيب هدفًا لانفعالات أوسع من شخصه وأعمق من مهنته.

وفي المقابل، توجد مساحات كاملة من الانتهاكات الإنسانية في بعض أقسام الشرطة لا تجد طريقها إلى النقاش العام، ولا تتحول إلى رأي عام، سواء بسبب حساسية المؤسسة، أو محدودية القدرة على التوثيق والتعبير، أو خوف اجتماعي غير مُعلن من الاقتراب من هذه المناطق.

هذا التفاوت في “قابلية الظهور” يصنع مشهدًا غير متوازن: قضايا تتحول سريعًا إلى تريند لأنها تقع داخل مساحة خضراء مسموح اجتماعيًا بنقدها، بينما تبقى تجارب أخرى، أكثر قسوة وأعمق أثرًا، محجوبة في الظل.

وفي النهاية، تبقى العدالة في هذا المشهد معلّقة على حقيقة واحدة: الطب ليس أكثر فسادًا من المجتمع، لكنه أكثر انكشافًا منه، ولذلك يظل دائمًا تحت المجهر.

ولعل أصدق ما يمكن قوله هو أن العطب لم يبدأ من الطبيب، بل وصل إليه بعد أن مرّ عبر المجتمع والمنظومة والدولة. يبدأ الطبيب رحلته محمّلًا بصورة مثالية عن الإنقاذ والعلم والمعنى، ثم يدخل في ماكينة استنزاف طويلة: سنوات دراسة شاقة، تدريب قاسٍ، إهانة هرمية، ضغط غير إنساني، مسؤولية هائلة، موارد ناقصة، لوم دائم، ودخل لا يوازي الجهد، فيحدث ما يشبه التآكل الأخلاقي.

لكن رغم ذلك، يبقى هناك حد فاصل لا يجوز تجاوزه: يمكن أن نفهم لماذا قسا الطبيب، لكن لا يجوز أن نبرر القسوة. يمكن أن نفسر لماذا تبلّد، لكن لا يجوز أن نُشرعن نزع الإنسانية عن المريض. فالفهم لا يعني التبرير، والتحليل لا يعني الإعفاء من المسؤولية.

لذلك أقولها بوضوح: حين يفسد المجتمع، لا ينجو الطبيب من العطب؛ لكنه كثيرًا ما يكون آخر من يُصاب به… وأول من يُلام عليه.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى