منتدي الدكاترة

د. ماجد فياض يكتب: التدريب الطبي في مصر: أزمة معرفة أم احتكار مهارة أم خلل سياسات؟

من قلب أسوان يقف رجل في الثمانين من عمره، يقول بنفس شغف الشاب المتوهّج: «عايز أدي كل المعلومات اللي أعرفها للشباب.. مش عايز حاجة أروح بيها وتضيع لما أموت»، هكذا يسكب السير مجدي يعقوب عصارة خبرته وحصاد عمره على طبق من المحبة، بلا ضجيج أو منّة.

كنت – وما زلت – أعتقد أن تعليم الأطباء وتدريبهم أعظم ثواب، وأعلى قدر، وأبقى أثر من علاج المرضى أنفسهم. بل أراه أمنًا صحيًا قوميًّا واجتماعيًّا بامتياز؛ فكما أن الفرسان وحدهم يحسمون أمر الحرب، فإن الأطباء المهرة وحدهم يملكون فصل الخطاب في معركة الحياة والموت.

عندما كنت طبيبًا مقيمًا في جراحة المسالك البولية، لم تكن فرص التدريب سهلة على الإطلاق، خاصة إذا ما قورنت بما رأيته خارج الوطن. أتذكر نائبًا أكبر مني طردني من غرفة الغيار، لا لخطأ ارتكبته، بل حتى لا أرى إجراءً بسيطًا، فقط ليظل هو محتكرًا للمهارة و«اللازم» في كل مرة، بينما أُثقل أنا بأعمال شاقة لا تُعلّم ولا تُضيف.

رأيت رئيس وحدة يطلق عنصريته البغيضة على جراح شاب، لا لشيء إلا لمهارته، يسبّه ويحجبه عن فرص الإبداع حتى «تتلف يده» كما قيل. ورأيت آخرين يستخدمون السلطة للانتقام؛ فمن لا ينافق، حتى من الكبار، يُعاقَب بتوزيعه على حالات معدية أو معقدة، أو يُدفع عمدًا إلى جراحة صعبة لا يتقنها، لإعطائه «درسًا» حين يستنجد به.

وكان هناك من يملك مهارة عالية لكنه يفتقد القدرة على تعليم الآخرين، وآخر يأنف من الجراحات البسيطة، فيتركك وحيدًا تبحث عمّن يعينك. لذلك تعلّمت معظم الجراحات الصغرى من أطباء أكبر مني قليلًا، لا من قمم الهرم، وأعترف، دون مواربة، أن جزءًا غير قليل من تكويني الجراحي اختلط بالإهانة والنفاق؛ تجربة طالت، بدرجات متفاوتة، أغلب الأطباء الجراحين في مصر.

وفي الجامعات الكبرى، نادرًا ما يحضر الأساتذة الكبار إلى غرف العمليات؛ تتكدس القوائم وتُدار بأيدٍ شابة، بينما يموت بعض الخبراء دون أن ينقلوا خبرتهم لأحد، كأن المهارة الجراحية ملكية خاصة لا ميراثًا إنسانيًا.

وللإنصاف، هناك أساتذة واستشاريون مخلصون يحملون همّ التعليم بحق، يجوبون المستشفيات، يدرّبون ويعلّمون دون مقابل. لكنه، في النهاية، جهد فردي غير منظم، بلا تخطيط أو سياسات، يعتمد على الضمير لا على النظام.

مشكلات تدريب الأطباء الصغار ليست حكرًا على مصر، وإن كانت لدينا أكثر حدّةً وقسوة. في معظم أنظمة الرعاية الصحية حول العالم، يشكو الأطباء في بداياتهم من فجوةٍ مؤلمة بين المعرفة النظرية والمهارة العملية، والضغط الزمني، وساعات العمل الطويلة، وكثافة العمل، والخوف القانوني، وغياب البرامج المنظمة للتدرّج المهاري، واحتكار بعض الأساتذة للمهارة بدافع الخوف من فقدان التميّز أو النفوذ.

هذا السلوك، وإن اختلفت حدّته بين الدول، يُعد عائقًا أخلاقيًا قبل أن يكون مهنيًا؛ إذ يتحوّل العلم من رسالة إلى أداة سلطة، ومن حق عام إلى امتياز شخصي. في بيئات كهذه، لا يُقاس الطبيب الشاب بذكائه أو اجتهاده، بل بمدى “ولائه”، وقدرته على الصمت، وقبوله بالدوران في فلك الأستاذ. والنتيجة واحدة في كل مكان: كفاءات تُوأد مبكرًا، وطبٌّ يتقدم ببطء لأن من يقوده يخشى من يأتي بعده.

لا تزال بعض المدارس الطبية في العالم – لا سيما في التخصصات الجراحية – تتبنى فكرة أن القسوة تصنع الجراح، وأن الإهانة «تُقوّي». غير أن الأدلة العلمية الحديثة تنقض هذا الوهم بوضوح.

ففي دراسة محورية نُشرت في JAMA عام 2015 (Leape et al.)، تبيّن أن التعرّض للإهانة والسلوكيات المهينة أثناء التدريب الطبي يرتبط بانخفاض الثقة بالنفس، وتراجع الأداء المهني، وارتفاع معدلات الأخطاء الطبية بين الأطباء المتدرّبين.

كما خلصت مراجعة منهجية نُشرت في BMJ عام 2018 (West et al.) إلى أن بيئات التدريب القائمة على التخويف والإذلال لا تُحسّن المهارة الجراحية، بل تُضعف القدرة على اتخاذ القرار تحت الضغط، وتزيد من معدلات الاحتراق النفسي والاكتئاب، بما ينعكس سلبًا على سلامة المرضى.

الطبيب الذي يتعلم تحت التهديد لا يُبدع، والذي يُكسر نفسيًا لا يحمل المشرط بثبات، التعليم القاسي لا يصنع أبطالًا، بل ناجين.

بعض الدول واجهت هذه الإشكاليات بوضوح وشجاعة، فانتقل التدريب من العشوائية إلى برامج Competency-Based Training، حيث لا يُقاس التقدّم بعدد السنوات فقط، بل ببلوغ مهارات محددة وموثّقة، أُنشئت مراكز محاكاة جراحية متقدمة، تمكّن الطبيب الشاب من التعلم والخطأ دون أن يدفع المريض الثمن.

كما وُضعت آليات تقييم للأساتذة، ليس كعلماء فقط، بل كمُدرّبين ومعلّمين، لأن من لا يُحسن نقل المعرفة لا يحق له احتكار موقعه. والأهم أنّ التعليم الطبي تحوّل من “منة” إلى واجب مؤسسي، ومن اجتهاد فردي إلى سياسة دولة.

تُعد تجربة المملكة المتحدة من أنجح النماذج العالمية في تدريب الأطباء، لأنها تعامل التدريب كمسؤولية دولة لا اجتهاد أفراد، التعليم الطبي هناك لا يُترك لضمير الأستاذ أو مزاج المؤسسة، بل يخضع لإطار وطني صارم تقوده هيئة الخدمات الصحية الوطنية، ويراقبه المجلس الطبي العام.

يُقيَّم المتدرب على مهارات محددة وموثّقة قبل الانتقال لمرحلة أعلى، وفي المقابل يُقيَّم المعلّم على قدرته على التعليم، ويُسحب اعتماد أي وحدة تثبت فيها إساءة المتدربين أو إعاقة تعلمهم.

الثقافة السائدة ترى في الطبيب الشاب استثمارًا وطنيًا، وحمايته النفسية والمهنية شرط أساسي لسلامة المرضى وجودة الرعاية. هكذا يتحوّل التدريب الطبي من علاقة قوة غير متكافئة إلى شراكة مؤسسية تُنتج أطباء واثقين وقادرين على القرار وتحمل المسؤولية.

وتقدّم كندا نموذجًا متقدّمًا لتدريب الأطباء، يقوم على أن التدريب حق للمتدرّب وواجب على المؤسسة. يشرف على التعليم الطبي التخصصي كيان مستقل، الكلية الملكية للأطباء والجراحين في كندا، التي اعتمدت إطار Competency by Design، حيث يُقيَّم الطبيب الشاب وفق مهارات واضحة قابلة للقياس، لا بعدد العمليات أو سنوات الخبرة، تُعد بيئة التدريب الآمنة نفسيًا شرطًا أساسيًا للاعتماد، وتُعامل شكاوى الإهانة أو إساءة المعاملة بجدية مؤسسية.

النتيجة: أطباء أكثر مهارة واتزانًا، قادرين على اتخاذ القرار تحت الضغط، بما يعكس مباشرة جودة الرعاية وسلامة المرضى.

أما قيمة تجربة السير مجدي يعقوب، فليست في إنقاذ القلوب فحسب، بل في بناء العقول. فهو ليس مجرد واحد من أمهر جراحي القلب في العالم، ولا نصف قرن من العمل الإنساني التطوعي لعلاج الأطفال والمحتاجين دون تمييز، بل تكمن قيمته الحقيقية في أنه لم يرَ في نقل خبرته تهديدًا لمكانته، بل ضمانًا لاستمرارها. لم يُخرّج أطباء يشبهونه شكلًا، بل عقولًا قادرة على تجاوزه.

هذا هو جوهر التدريب الحقيقي: أن تصنع من هو أفضل منك، لا أكثر خضوعًا لك. أن تخلّد علمك في الآخرين، لا في صورتك.

إصلاح التدريب الطبي في مصر لا يحتاج معجزات ولا ميزانيات أسطورية، بل يحتاج قرارًا سياسيًا صريحًا يعترف بأن التدريب جزء أصيل من الأمن القومي الصحي. فمصر لا تعاني فقر العقول، بل غياب نظامٍ عادل لتوزيع المعرفة.

نحتاج إلى لا مركزية التدريب، إلى مراكز تميّز حقيقية في المحافظات، وربط الترقي الأكاديمي بقدرة الأستاذ على التعليم لا بعدد أبحاثه وحدها. نحتاج إلى حماية الطبيب الشاب من الإهانة دون إعفائه من المسؤولية، وإلى أن تتحول غرف العمليات إلى فصول تعليم، لا غرف أسرار، وأن يُفتح في كل مستشفى مركزي مركز محاكاة وقاعة علم.

ويجب أن يُنتزع التدريب من المزاج الفردي ويُوضع تحت مظلة وطنية مشتركة تضم وزارة الصحة والمستشفيات الجامعية والبورد المصري والجمعيات العلمية، وفق معايير اعتماد واضحة تُقاس بالتعليم الحقيقي لا باللافتات. لا تدريب بلا تعلّم، ولا اعتماد بلا تقييم دوري سرّي من المتدربين أنفسهم، لأن من أُسيء تدريبه لا يُطالَب بالصمت.

ومع الانتقال إلى تدريب قائم على الكفاءة لا الزمن، والمحاكاة قبل المريض، يُعاد تعريف الأستاذ والاستشاري: لا مالكًا للمهارة، بل أمينًا عليها. هكذا فقط نكسر احتكار المهارة دون كسر هيبة
المهنة، وهكذا نصنع أطباء أقوياء لا ناجين، ونحوّل التدريب من معاناة فردية إلى مشروع دولة.

د. ماجد فياض
استشارى جراحات المسالك البولية بالمستشفى السعودي الألماني بجدة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى