د. ماجد فياض يكتب: التفتيش على المستشفيات… بين المعايير ووهج الكاميرات
هل ننكر نحن الأطباء أن كثيرًا من الخدمات الصحية في مصر لا تزال أقل من طموحات المواطنين؟ بالطبع لا. بل نحن أكثر من يدرك حجم التحديات التي تواجه المنظومة الصحية، لأننا نعيشها يوميًا، ونلمس آثارها في معاناة المرضى.
فكثير من المستشفيات الحكومية والجامعية والوحدات الصحية تعمل تحت ضغوط هائلة، تتمثل في نقص التمويل، والازدحام الشديد، والعجز في بعض الكوادر، وتهالك البنية التحتية.
ومن حق المواطن أن يطالب بخدمة صحية آمنة وكريمة، ومن واجب الدولة أن تراقب أداء مؤسساتها بكل حزم، وأن تحاسب كل مقصر.
وفي الوقت نفسه، فإن الطبيب لا يبقى طبيبًا طوال حياته؛ ففي لحظة مرض، أو حادث، أو احتياج، وربما خلال يوم عمله العادي، ينتقل من مقعد مقدم الخدمة إلى سرير المريض.
وقد يجد نفسه، أو أحد أفراد أسرته، أو أقاربه، أو جيرانه، يتلقى العلاج في مستشفى حكومي، أو جامعي، أو تابع للتأمين الصحي. لذلك فإن مطالبة الأطباء بإصلاح المنظومة الصحية ليست دفاعًا عن زملاء المهنة، ولا محاولةً لتبرير الأخطاء، بل دفاعًا عن حق الجميع في الحصول على رعاية صحية آمنة وكريمة.
لكن الاعتراف بوجود المشكلة لا يعني أن أي وسيلة لمعالجتها تصبح صحيحة؛ فكما أن التشخيص الخاطئ يقود إلى علاج خاطئ، فإن الرقابة غير العلمية قد تتحول إلى جزء من المشكلة بدلًا من أن تكون جزءًا من الحل.
في الأنظمة الصحية المتقدمة، التي تخصص موارد وتمويلًا يتناسبان مع احتياجات مواطنيها، لا يعتمد التفتيش على الانطباعات الشخصية أو الزيارات المفاجئة، ولا يُدار أمام عدسات الكاميرات، بل يقوم على منهج علمي واضح ومعايير مهنية دقيقة. تبدأ العملية بجمع وتحليل مؤشرات الأداء، مثل معدلات العدوى المكتسبة داخل المستشفيات، ونسب المضاعفات، ومعدلات الوفيات بعد ضبطها وفق درجة خطورة الحالات، وأزمنة الانتظار، وشكاوى المرضى، والالتزام بالإرشادات العلاجية، وسلامة استخدام الدواء، وجودة السجلات الطبية. ثم تُجرى زيارات ميدانية بواسطة فرق متعددة التخصصات تضم خبراء في الجودة، وسلامة المرضى، والإدارة الصحية، ومكافحة العدوى، والتمريض، والهندسة الطبية، وغيرهم من المختصين. وفي نهاية الزيارة، يصدر تقرير علمي مفصل يحدد نقاط القوة، وأوجه القصور، والتوصيات، وخطة زمنية واضحة للإصلاح، مع إعادة التقييم دوريًا لقياس مدى التحسن.
ولهذا، يختفي مشهد المداهمات والزيارات التفتيشية ذات الطابع الإعلامي في الدول التي تمتلك أنظمة صحية متقدمة، مثل الولايات المتحدة، وكندا، وأستراليا، والمملكة المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، والدول الإسكندنافية. فلا نرى محافظًا أو عمدةً أو وزيرًا يقتحم مستشفى ليوبخ الأطباء أو العاملين أمام عدسات الكاميرات، أو يجري بنفسه تفتيشًا فنيًا على جودة الرعاية الصحية.
أما في بعض الدول النامية، ومنها مصر، والعراق، وباكستان، ونيجيريا، وبعض دول آسيا الوسطى، فتتكرر بين الحين والآخر زيارات مفاجئة يغلب عليها الطابع الإعلامي والاستعراضي، وتنتهي أحيانًا بتوبيخ موظفين أو إصدار قرارات فورية أمام الكاميرات
فكلما نضجت مؤسسات الدولة، تراجع دور الكاميرا في الرقابة، وحلّت محلها المعايير العلمية، ومؤشرات الأداء، والرقابة المهنية المستقلة.
ويبقى هناك مبدأ لا يقل أهمية عن جودة الرقابة، وهو احترام كرامة المريض واستقلال القرار الطبي. فلا يجوز أن تتحول معاناة المرضى إلى مادة إعلامية تُصوَّر أمام عدسات الكاميرات، أو أن يُكشف ضعفهم وآلامهم على الملأ بحثًا عن مشهد مؤثر؛ فكرامة المريض وخصوصيته حق أصيل، تكفله الأخلاق الطبية قبل أن تكفله القوانين.
وبالمثل، لا يجوز لأي مسؤول تنفيذي، مهما كانت مكانته، أن يصدر أوامر فنية للطبيب بشأن الخطة العلاجية، كأن يأمر بتعليق محلول، أو بإجراء عملية جراحية على الفور أمام الكاميرات. فالقرار الطبي مسؤولية مهنية خالصة، لا يُبنى على الانطباعات أو الضغوط الإعلامية، وإنما على التقييم الإكلينيكي، والفحوصات، ومصلحة المريض، ويتحمل مسؤوليته الطبيب المعالج وحده وفق الأصول العلمية.
قد يقول قائل: وهل المستشفيات فوق القانون؟ والإجابة بكل تأكيد: لا. فالمستشفيات، كغيرها من مؤسسات الدولة، تخضع للقانون، ويجب أن تخضع للمساءلة والمحاسبة.
ولا أحد يعترض على حق المحافظ، أو الوزير، أو أي مسؤول تنفيذي في زيارة المستشفيات، والاطلاع على مستوى الخدمات المقدمة، والاستماع إلى شكاوى المواطنين، ومحاسبة أي مقصر. لكن الاعتراض ينصب على ممارسة التفتيش الفني على الأداء الطبي بواسطة غير المختصين، وتحويل الرقابة إلى مشهد إعلامي تُدار تفاصيله أمام عدسات الكاميرات.
فالرقابة على جودة الرعاية الصحية علمٌ له معاييره، ويقوم عليه خبراء وهيئات متخصصة. تمامًا كما لا يُجري المحافظ تفتيشًا فنيًا على عمل القاضي، أو يراجع أحكام وكيل النيابة، أو يقيم أداء مهندس الطيران، فإن تقييم الأداء الطبي يجب أن يُترك لأهل الاختصاص، وفق معايير علمية ومهنية معلنة.
ولعل الوقت قد حان لأن تمتلك مصر منظومة وطنية موحدة للرقابة الفنية على جودة الرعاية الصحية، تكون مرجعيتها واحدة، وتُطبق معايير علمية موحدة على جميع المنشآت الصحية الحكومية والجامعية والخاصة، بغض النظر عن الجهة الإدارية التي تتبعها. ويمكن تحقيق ذلك من خلال توسيع الإطار القانوني للهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، أو إنشاء هيئة وطنية مستقلة تتولى هذا الدور، لتصبح المرجعية الفنية العليا لتقييم جودة الرعاية الصحية وسلامة المرضى على مستوى الجمهورية.
وتعمل هذه المنظومة وفق معايير علمية مستوحاة من أفضل أنظمة الاعتماد والتقييم الدولية، مثل Joint Commission International (JCI) وغيرها، بعيدًا عن الضغوط السياسية، والاستعراض الإعلامي، والاجتهادات الفردية. كما تضم خبراء في الجودة، وسلامة المرضى، والإدارة الصحية، ومكافحة العدوى، والهندسة الطبية، والتخصصات الإكلينيكية المختلفة.
وتتولى تقييم جميع المنشآت الصحية باستخدام مؤشرات أداء موحدة وقابلة للقياس، تشمل جودة الرعاية، وسلامة المرضى، وكفاءة التشغيل، ورضا المستفيدين، ثم تُصدر تقارير دورية تتضمن نتائج التقييم، ونقاط القوة، وأوجه القصور، وخططًا زمنية واضحة للتحسين، مع إعادة التقييم بصورة دورية لقياس مدى الالتزام والتطور.
عندها فقط، ستنتقل الرقابة على المستشفيات من ردود الأفعال والزيارات المفاجئة إلى منظومة مؤسسية حديثة، يكون معيارها العلم لا الانطباع، والبيانات لا المشاهد، والإصلاح لا العقاب، والتحسين المستدام لا الاستعراض الإعلامي. وبذلك نحمي حق المريض في رعاية صحية آمنة وكريمة، ونحمي مقدم الخدمة من الأحكام غير المهنية، ونرسخ ثقة المجتمع في مؤسسات الدولة ومنظومتها الصحية.
وفي الختام، فإن هيبة المسؤول لا تُصنع أمام عدسات الكاميرات، ولا بإحراج العاملين أو توبيخهم على الملأ، كما أن هيبة المستشفى لا تُحفظ بالتصادم مع المسؤول، بل بتحويل كل زيارة إلى فرصة للإصلاح، وفهم الواقع، والاستماع إلى العاملين، وتشخيص المشكلات بلغة الأرقام والحقائق.
أما هيبة الدولة الحقيقية، فلا تُبنى بالمشاهد الإعلامية،ولا بعدد الكاميرات التي توثق الزيارات،وإنما تُبنى عندما تمتلك رؤية علمية واضحة للسياسات الصحية، وتوفر تمويلًا عادلًا يتناسب مع احتياجات المواطنين، وتخضع الجميع لمنظومة مؤسسية عادلة، يكون معيارها الجودة، ومرجعيتها العلم، وغايتها كرامة المريض، واحترام مقدم الخدمة
فالدول لا يخلّدها وهجُ الكاميرات، ولا الترندات، بل تخلّدها المؤسسات.




