مجتمع الأطباء

د. ماجد فياض يكتب: عشرة خطوات لمواجهة التضليل الطبي في مصر

بعد أن كتبت مقالي السابق: «كيف تشكّل التضليل الطبي في مصر؟» وجدت نفسي أمام أسئلة أكثر إلحاحًا من مجرد رصد الظاهرة وتتبع مساراتها: لماذا أصبح من الضروري أن نواجه هذه الأزمة الآن؟ وكيف يمكن فعل ذلك؟ وهل تبدأ المواجهة بملاحقة الأطباء المزيفين والدجالين ومعاقبة المخالفين ، أم بإعادة بناء الثقة بين المجتمع والعلم، وبين المريض والطبيب، وبين المعرفة ومؤسساتها؟ ثم بدا السؤال الأهم: هل المعركة في جوهرها ضد معلومة كاذبة هنا أو وصفة زائفة هناك، أم ضد بيئة كاملة تجعل الكذب أكثر إقناعًا من الحقيقة، وتمنح الوهم قدرة على التسلل إلى الوعي بوصفه بديلًا مقبولًا للعلم؟

في زمنٍ أصبحت فيه المعلومات المضللة تعبر الحدود أسرع من الطائرات، لم يعد ممكنًا اعتبارها أخطاءً عابرة أو أفكارًا تمر بلا أثر؛ فهي آمالٌ تُعلَّق على وعود واهية، وقرارات خاطئة تُتخذ، وأدوية تُوقَف، وضغطٌ يرتفع، وشرايين تضيق، وكُلى تُرهق، وقلوبٌ تعمل فوق طاقتها حتى تنهار. وحين تظهر الأعراض، يكون الضرر قد سبقنا بخطوات، وقد تُفقد أرواح كان يمكن بإذن الله إنقاذها. وفي المقابل، فإن الكلمات الطبية الصادقة ليست مجرد حروف على شاشة، بل علمٌ يهدي إلى قرار صحيح وينقذ حياة. لذلك لم يعد كافيًا أن نكتب الدواء، بل أن نشرح لماذا يُكتب، وماذا يحدث عند التوقف عنه. فالمعرفة التي لا تُشرح تترك فراغًا، والشائعة دائمًا تتغذى على هذا الفراغ.

ولهذا أطرح رؤيتي للحل، لا باعتبارها إجابة نهائية، بل لفتح نقاش أوسع حول كيفية تحويل مواجهة التضليل من رد فعل متأخر إلى منظومة واعية قادرة على الفهم والتصحيح والاستباق، فلعلها تجد من يصغي إليها، أو من يملك إرادة تحويلها إلى واقع.

أولًا: رؤية تشريعية أكثر حداثة وصرامة
تبدأ المواجهة بإنفاذ قانوني واضح يفرض عقوبات رادعة على انتحال الصفة الطبية، وتقديم التشخيص أو وصف العلاج دون ترخيص، والترويج لادعاءات علاجية غير مدعومة علميًا، أو تحقيق مكاسب مادية من نشر معلومات طبية مضللة. لكن في المقابل، تبقى الدقة في صياغة التعريفات شرطًا أساسيًا، حتى لا تتحول هذه القوانين إلى أدوات لتقييد النقاش العلمي أو المساس بحرية الرأي والاجتهاد الطبي، بل تظل موجهة ضد التضليل المقصود والاستغلال التجاري للمرض والجهل، لا ضد الحوار العلمي المشروع.

ثانيًا: إنشاء هيئة وطنية للتحقق الطبي (Fact-checking) تتبع وزارة الصحة والسكان، وتعمل كذراع علمي سريع الاستجابة لما يُتداول من ادعاءات ومعلومات صحية مضللة. تقوم هذه الهيئة على منهجية شبيهة بالتحقق من الحقائق، لكن بتخصص طبي دقيق، بحيث تصدر خلال وقت قصير بيانات مبسطة وواضحة للجمهور توضح ما الصحيح وفق الأدلة العلمية، وما الخطأ، وما درجة خطورة المعلومة المتداولة، مع تقديم البديل العلمي بلغة مفهومة.
وتصبح سرعة التصحيح عنصرًا أساسيًا في فعالية المواجهة لا تقل أهمية عن دقة المعلومة نفسها، إذ إن التأخر في الرد يتيح مساحة لترسيخ الشائعة وتحولها إلى “حقيقة” في الوعي العام. ويقوم هذا النموذج على الاستماع المنهجي لأسئلة الجمهور ومخاوفه، وتقديم تواصل علمي واضح ومبسط، مع بناء قدرات المجتمع على التمييز بين المعلومة الصحيحة والمضللة، وإشراكه في دعم السلوك الصحي السليم، بما يعزز أن مواجهة التضليل لا تقوم على النفي فقط، بل على بناء ثقة معرفية مستدامة بين المواطن والمؤسسة الصحية.

ثالثًا: مسؤولية وزارة الاتصالات عن المنصات الرقمية
لم يعد كافيًا الاكتفاء بحذف المحتوى الطبي المضلل بعد انتشاره، بل المطلوب بناء منظومة تنسيق فعّالة بين وزارة الاتصالات والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تتيح وضع تنبيهات وتحذيرات فورية على المحتوى غير الموثق، والانتقال من منطق الحذف وحده إلى التصحيح الإلزامي. فالتجارب الدولية، كما في سنغافورة خلال جائحة كورونا، أثبتت أن إرفاق التصحيح بالمعلومة المضللة قد يكون أكثر أثرًا من إزالتها فقط، لأن سرعة التصحيح في المجال الصحي كثيرًا ما تسبق أهمية العقوبة نفسها.

رابعًا: تفعيل دور الإدارة العامة للعلاج الحر
كأحد الأذرع التنفيذية في مواجهة الإنفوديميا، عبر تحويلها من جهة رقابية تقليدية إلى منظومة أكثر حضورًا ومبادرة. فلا يقتصر دورها على التفتيش وضبط المخالفات، بل يمتد إلى التدخل السريع ضد الادعاءات العلاجية المضللة. ويُدعم ذلك بإنشاء وحدة للرصد الإلكتروني والميداني المتكامل تربط البلاغات المهنية والمجتمعية بسرعة الاستجابة القانونية، بما يجعل العلاج الحر خط دفاع مباشر ضد تحويل الطب إلى مساحة للتسويق غير المنضبط أو الدجل أو الاستغلال.

خامسًا: دور نقابة الأطباء لا ينبغي أن يقتصر دورها على المساءلة والتأديب المهني، بل يمتد لتصبح طرفًا فاعلًا في إنتاج المحتوى الطبي الموجه للجمهور. فالمشهد الإعلامي اليوم لا يُدار باللوائح وحدها، بل بسرعة التأثير وقوة الوصول، ولا يمكن مواجهة محتوى يتابعه الملايين ببيان إداري محدود لا يصل إلى الجمهور ولا يؤثر فيه. ومن هنا تبرز الحاجة إلى خطاب نقابي جديد أكثر حضورًا ومرونة، يستخدم أدوات الإعلام الحديث ومنصات التواصل، ويقدم محتوى طبيًا مبسطًا وموثوقًا ينافس المحتوى المضلل داخل نفس الفضاء الذي ينتشر فيه، لأن الدفاع عن المهنة لم يعد إداريًا فقط، بل أصبح معركة وعي تتطلب من النقابة أن تكون جزءًا من تشكيل الرأي العام الصحي لا مجرد جهة رد فعل.

سادسًا: برنامج وطني لتدريب الأطباء على مهارات التواصل الجماهيري
لم تعد المعرفة الطبية وحدها كافية في زمن يُصاغ فيه الوعي عبر الصورة والسرد السريع، إذ كثيرًا ما يمتلك الطبيب العلم لكنه يفتقد القدرة على تبسيطه ونقله بلغة قريبة من الناس، بينما ينجح مروجو الخرافات في كسب الثقة عبر خطاب أكثر بساطة وقدرة على الإقناع. وفي الواقع، لا يُقاس التأثير دائمًا بعمق المعرفة، بل بقدرة صاحبها على الشرح والتأثير، ما يجعل مهارات التواصل جزءًا أصيلًا من الكفاءة الطبية الحديثة، لا ترفًا إضافيًا، بل أداة لحماية المعرفة من التشويه وضمان وصولها إلى الجمهور بصورة صحيحة وفعّالة.

سابعًا: إدخال الثقافة الصحية في منظومة التعليم
تنمية وعي مبكر لدى الطالب بمعنى الدليل العلمي، والتمييز بين التجربة الفردية والمعرفة المنهجية، وتدريبه على تقييم مصداقية المعلومة الصحية قبل تبنيها أو إعادة تداولها، بما يؤسس لعقل نقدي أكثر حصانة، أقل قابلية لتصديق الشائعة وأكثر قدرة على مقاومة الخرافة، ويحد من الاستجابة غير النقدية للمعلومات المضللة مستقبلًا.

ثامنًا: دور الأجهزة الأمنية
يجب أن يظل التدخل الأمني محصورًا في الحالات التي تتجاوز حدود التضليل إلى أفعال مجرّمة بوضوح، مثل النصب والاحتيال، أو الإضرار المتعمد بالصحة العامة، أو تحقيق أرباح غير مشروعة، أو إنشاء شبكات منظمة لتسويق علاجات زائفة. وفي هذا الإطار، يصبح الدور الأمني امتدادًا لحماية المجتمع من الجريمة المنظمة المرتبطة بالصحة، لا تدخلًا في المجال العلمي أو النقاش الطبي، بما يحقق التوازن بين حماية الصحة العامة وصون حرية البحث والتعبير العلمي المشروع.

تاسعًا: دور وزارة الإعلام
يهدف إلى بناء الثقة، إذ إن جزءًا من الجمهور فقد ثقته في المؤسسات الطبية، ما يجعل مواجهة التضليل الطبي معركة لاستعادة الثقة في الطبيب والعلم والمؤسسات الصحية، عبر الشفافية وتحسين جودة التواصل وتقديم المعلومة بلغة قريبة من الجمهور. ويتحقق ذلك بتوسيع مساحة التوعية الطبية في البرامج الهادفة، مع التحقق من هوية الضيوف وأرقام تراخيصهم النقابية، وإنهاء فوضى الظهور الطبي المدفوع الأجر الذي يخلط بين المعرفة والترويج ويقوّض مصداقية الخطاب الطبي.

عاشرًا: إنشاء مرصد وطني للإنفوديميا وقياس أثرها
لا تكفي مواجهة التضليل عبر التشريعات أو الحملات التصحيحية فقط، ما لم يُبنَ نظام قادر على فهم الظاهرة ذاتها. فالمعركة مع المعلومات المضللة ليست ثابتة، بل متغيرة في أشكالها ومساراتها باستمرار، ما يستدعي مرصدًا وطنيًا يرصد أنماط انتشارها ويحلل مصادرها ويقيس أثر التدخلات التصحيحية عليها، بما يحوّل المواجهة من ردود فعل متفرقة إلى سياسة مبنية على البيانات والمعرفة.

تلك عشرةٌ كاملة… لمن أراد أن يبدأ المواجهة من جذورها لا من نتائجها. في النهاية، قد تكون الشائعة أسرع… نعم، لكنها ليست أصدق ولا أذكى. أما الحقيقة، وإن تأخرت، فتبقى الطريق الوحيد الذي لا ينتهي بأزمة في غرفة الطوارئ. ولا يمكن كسب معركة التضليل الطبي بالمنع وحده، ولا بالبيانات الرسمية وحدها، ولا بالملاحقات القانونية وحدها؛ بل تُكسب حين يصبح العلم أكثر حضورًا من الخرافة، وأقرب إلى الناس، وأقدر على مخاطبة عقولهم وقلوبهم في آنٍ واحد. ويبقى الهدف الأهم: أن نصنع مجتمعًا أقل قابلية لتصديق الوهم، وأكثر حصانة أمامه، بحيث لا يجد التضليل تربةً خصبة ينمو فيها من الأساس.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى