د. ماجد فياض يكتب: هل تعبث شركات الأدوية بالأبحاث العلمية والأدلة الطبية؟
كما تُطلق الدول على أسلحتها الاستراتيجية أسماءً تحمل الرسالة والهيبة؛ فنسمع عن ظافر، القاهر، باتريوت، توماهوك، كذلك تفعل الدول المتقدمة في ميدان الطب، لكن بأسلحة من نوع آخر: الدراسات الكبرى التي تُغيّر الممارسة الطبية وتعيد رسم السياسات الصحية.
في المملكة المتحدة، قدّمت هيئة الخدمات الصحية الوطنية دراسة PROMIS الممولة حكوميًا عبر عدة مراكز طبية ، والتي أحدثت تحولًا مهمًا في تشخيص سرطان البروستاتا عالميًا. فقد نقلت الممارسة من نهج “الخزعة أولًا” إلى استخدام الرنين المغناطيسي متعدد المعايير (mpMRI) كخطوة أولى، مما أدى إلى تقليل الخزعات غير الضرورية، وتحسين اكتشاف الأورام ذات الأهمية السريرية، وتقليل تشخيص الأورام غير المؤذية وما يترتب عليه من علاجات زائدة.
منذ أكثر من عام، جمعت ما يزيد على مائة دراسة مفصلية في جراحة المسالك البولية؛ محطات مفصلية غيّرت ملامح الممارسة الطبية وأعادت تشكيل كثير من القرارات العلاجية اليومية ، دراسات مستقلة، متعددة المراكز، عالية الجودة من حيث التصميم والمنهجية، موّلتها حكومات ومؤسسات تؤمن بأن صحة الإنسان قضية سيادية لا سلعة تجارية.
وبشكل شخصي، تتبعت كواليس صناعة وكتابة الخطوط الإرشادية الأوروبية، فوجدت أنها عمل تراكمي طويل؛ يجتمع فيه كبار الخبراء في كل تخصص دقيق، ويقضون شهورًا في مراجعة آلاف الدراسات عالية الجودة المنشورة من مختلف بلاد العالم، لأن الطب لغة إنسانية عالمية واحدة. فالبحث الذي يُنشر في اليابان قد يُراجع في الهند، ويُبنى عليه قرار علاجي في لندن، دون اعتبار لجنسية صاحبه أو ثقافته. نعم، الطب الحديث لم تصنعه أمة واحدة، بل شاركت في بنائه البشرية كلها؛ المصري والكوري والياباني والأوروبي والأمريكي.
ثم تُعاد غربلة الأدلة بدقة، وتُوازن قوتها وحدودها، حتى تتبلور التوصيات في صورتها النهائية؛ دليلاً طبيًا حيًّا يتجدد باستمرار، يميّز بين ما يُوصى به بقوة وما يُطرح بحذر، بين “افعل” و“لا تفعل”، وفق جودة الدليل لا وفق الانطباع.
فالطب الحديث يقوم على هرمٍ دقيق لمستويات قوة الدليل العلمي، لأن الدراسات ليست في مرتبة واحدة من اليقين.
وكما ميّز أهل الحديث بين مراتب الرواية صحةً وضعفًا، يفرّق العلم بين الدليل الصارم، وما يُستأنس به، وما لا يتجاوز حدود الرأي. فليست كل معلومة سواء، وإنما تُوزن المعرفة بميزان المنهج قبل أن تدخل إلى الممارسة الطبية.
.فالمستوى الأول من الدليل الطبي مستمد من المراجعات المنهجية، والتحليلات المجمعة، والتجارب العشوائية المحكمة عالية الجودة، وهي أساس أقوى التوصيات الطبية.
ثم يأتي المستوى الثاني، وهو مستمد من الدراسات الجماعية والدراسات المقارنة الجيدة.
ثم المستوى الثالث، وهو مستمد من الدراسات الرصدية، مثل دراسات الحالات والشواهد، والسلاسل السريرية، وتقارير الحالات، وهي مفيدة لكنها أضعف في إثبات السببية.
أما المستوى الرابع والأخير ، فهو مستمد من آراء الخبراء والتوافقات المهنية، كلٌّ في مجال تخصصه الدقيق، لكنه لا يعلو بالطبع على البحث العلمي.
وهكذا لا تولد الخطوط الإرشادية كقوالب جامدة، بل كناتج دقيق لتراكم العلم، يُقدَّم للطبيب في النهاية كنورٍ إرشادي لا كحكمٍ معصوم.
أما الدواء، فقبل أن يصل إلى المريض يمر برحلة علمية شاقة قد تستغرق سنوات طويلة. تبدأ باكتشاف آلاف الجزيئات المحتملة داخل المختبرات، ثم تُستبعد الأغلبية، ولا يبقى إلا عدد محدود يُظهر قدرة مبدئية على علاج المرض المستهدف.
بعد ذلك تبدأ الدراسات ما قبل السريرية، حيث يُختبر المركب على الخلايا والحيوانات لتقييم الفعالية والسمّية والجرعات الآمنة. وإذا اجتاز هذه المرحلة، ينتقل إلى التجارب السريرية على البشر عبر مراحل متدرجة: أولها لاختبار الأمان، ثم لقياس الفعالية، ثم على أعداد كبيرة لمقارنته بالعلاج المعتمد وفق معايير صارمة.
وبعد مراجعة شاملة للبيانات العلمية والتصنيعية، قد تمنح جهات رقابية مثل U.S. Food and Drug Administration الموافقة إذا ثبت أن الفائدة تفوق المخاطر. نعم، إن انتقال الدواء من المختبر إلى المريض ليس “صفقة”، بل محرقة علمية يسقط خلالها آلاف المرشحين قبل أن ينجو واحد فقط.
وحتى بعد طرحه في الأسواق، يستمر رصد الآثار النادرة أو المتأخرة. حيث لا تتوقف الرحلة عند موافقة جهة رقابية واحدة؛ فالدول والمراكز البحثية حول العالم تعيد اختبار الدواء فيما يُعرف بمرحلة المراقبة ما بعد التسويق (Post-Marketing Surveillance)، عبر خبرات محلية مستقلة ودراسات واقعية على المرضى، لتقييم فعاليته وأمانه في بيئات وسلالات وأنظمة صحية مختلفة. فالدواء لا يصبح “مقدسًا” بعد الموافقة، بل يدخل مرحلة مراقبة أشد.
وبعدها تُنشر النتائج تباعًا في الدوريات العلمية، في عملية مراجعة مستمرة قد تؤكد قيمة الدواء، أو تكشف حدوده، أو تدفع إلى تعديل بروتوكولات استخدامه. هكذا يُصنع اليقين الطبي الحقيقي: بالتكرار، والاستقلال، وتراكم الأدلة، لا بالتصفيق الدعائي ولا بنظريات المؤامرة.
وما ينطبق على الأدوية ينطبق كذلك على الأساليب العلاجية والجراحية؛ فالتقنيات الحديثة لا تتحول إلى ممارسة معتمدة لمجرد الحماس لها، بل بعد سنوات من الدراسات والمقارنات والمتابعة طويلة المدى، حتى يثبت أنها أكثر أمانًا أو فاعلية أو جودةً للحياة من البدائل المتاحة.
“هل بعض الدراسات العلمية مُفصَّلة على مقاس شركات الدواء؟”
نحن نعرف جيدًا حدود الدراسات الممولة من الصناعة الدوائية، ونتعامل معها بعين ناقدة لا منبهرة ولا عدائية؛ نقرأ تصميم الدراسة، واختيار العينة، ونقاط النهاية، والانحيازات الإحصائية، وانتقائية النشر، وكيف يمكن للتمويل أن يؤثر في صياغة الأسئلة أو عرض النتائج. لذلك لا تُمنح هذه الدراسات سلطة بناء التوصيات الطبية.
وكما تُقيَّم الصحف بين المستقلة والصفراء، تُقيَّم المجلات العلمية أيضًا وفق معايير صارمة تشمل معامل التأثير، ونسب الاقتباس، وسمعة هيئة التحرير، وقوة التحكيم العلمي. لذلك فإن نشر دراسة في مجلة مرموقة يختلف جذريًا عن نشرها في دورية ضعيفة أو تجارية. وفي النهاية، لا تُقبل الكلمة الطبية المحترمة إلا إذا استندت إلى دليل علمي رصين.
تذكّرت صوت زميلٍ لي ساخرًا: : “أنت بتعبد الـ guidelines، التي تتغير كل عام؟ هل تظن أن اسمها God lines؟”
فقلت له: ليست عصمة، بل منظومة علمية تملك شجاعة مراجعة نفسها؛ تُراجع أدلتها باستمرار، وتُصحّح توصياتها كلما ظهر دليل أقوى. تلك ميزة العلم: أنه يعترف بأخطائه ويصححها، أما الدجل فلا يعترف إلا بالمؤامرة.
ثم قلت له: هل تعرف ما هو المخيف حقًا؟
أن يتحول بعض الأطباء من حُرّاس للعلم إلى مروّجين للخرافة، ومن صوتٍ يطمئن الناس إلى يدٍ تدفعهم نحو الهاوية. تلك واحدة من أزماتنا الكبرى: أن يجتمع لقب الطبيب والأكاديمي مع سذاجة المنهج. عندها تكتشف أن بعض الشهادات تبقى معلّقة على الجدار، بينما يغيب معناها عن الممارسة.
هكذا تُبنى الأمم الحديثة: بعضها يستعرض القوة في السماء، وبعضها يزرعها في المستشفيات وقاعات البحث. الأول قد يفرض الخوف زمنًا، أما الثاني فيصنع احترامًا يدوم.
د. ماجد فياض
استشارى جراحة المسالك البولية بالمستشفى السعودي الألمانى بجدة





