د. ماجد فياض يكتب: من العيادة إلى المقام: كيف تحوّل ضياء العوضي إلى شيخ طريقة؟

كنت في العيادة حين قفز خبر وفاة الدكتور العوضي على موقع القاهرة 24، فحزنت عليه، رحمه الله. ثم دخلت أقرأ التعليقات، أبحث عن “التراس” الإلكتروني الذي تشكّل حوله منذ ظهوره، فوجدت المشهد مألوفًا: روايات جاهزة عن مؤامرة، واتهامات بترتيب خفي من “مافيا الدواء” أو غيرها من صور العدو السهل، وكأننا أمام اغتيال عالم ذرة، لا مجرد طبيب انتهت سيرته المهنية بشطبه من نقابته.
لفتتني حسابات غريبة؛ بعضها لا يملك إلا صديقًا واحدًا، لكنه يضم آلاف المنشورات. وبعد انتهاء العيادة وثّقت عدة نماذج منها باعتبارها مثالًا لهذا الضجيج المصنوع، ثم انتقل السؤال في ذهني إلى أبعد من ذلك: كيف تتشكل هذه الكثافة من “الذباب واللجان الإلكترونية” حول شخص واحد؟ وهو سؤال أعرف شيئًا من ظله، بعدما اضطررت سابقًا إلى إغلاق التعليقات على بعض مقالاتي السابقة، مثل: هل الأمراض عقاب غذائي وخطيئة على المائدة؟، تأثير المحتوى الطبي على الأطباء والدولة المصرية، وانقطاع الوحي الطبي.
ثم تساءلت: كيف يصدق الناس “دجالي الوحي الطبي”؟ هل لأنهم سُذّج، أم لأن السياق نفسه يُنتج هذا النوع من اليقين السريع؟ الفراغ يصنع الزعامة. حين يتراجع الخطاب العلمي الرصين، ويضعف التواصل الذي يشرح المعقّد بلغة بسيطة يفهمها عموم الناس وتحترم العقل، وتتقلص برامج التوعية الطبية لصالح برامج التوك شو والترفيه، تتسع حتمًا المساحة لمن يقدم تفسيرًا سهلًا، جاهزًا، حاسمًا، ومغريًا باليقين. ولمن يقدم خطابًا لا يعرف التردد، ولا يعترف بالاحتمال، بل يمنح إجابة واحدة مغلقة لكل سؤال مفتوح. وهنا يتحول الطب من معرفة قابلة للنقاش إلى “وحي” لفظي لا يحتمل المراجعة.
لكن المسألة أعمق من اللغة وحدها؛ فهناك واقع اجتماعي واقتصادي في مصر يضغط في الخلفية: فقر يجعل طلب العلاج عبئًا ثقيلًا، وضعف تعليم أو انقطاع عن المعرفة الموثوقة، وشعور متراكم لدى بعض المواطنين، خاصة المهمشين والمقهورين، بأن الحقيقة دائمًا محجوبة. ومع تآكل الثقة في المؤسسات الحكومية والنقابات المهنية، يصبح أي خطاب بديل مقبولًا لمجرد أنه يبدو “خارج النظام”، حتى لو كان خارج العلم والمنطق.
في هذا المناخ، لا يبحث الناس فقط عن الحقيقة، بل عن تفسير يخفف القلق ويمنح المعنى. لذلك ينجح الخطاب الطبي غير الرسمي لأنه يبسط الألم: يختصر الأمراض كلها في سبب واحد، ويختزل العلاج في وصفة سحرية واحدة.
نعم، في هذا المناخ ظهر المؤثر ضياء العوضي ليحوّل الاحتمال إلى يقين، والمعلومة الخاطئة إلى عقيدة. ومع التكرار والانتشار، تشكّل لدى أتباعه “الوحي الطبي الحديث”: خطاب لا يقوم على الدليل، بل على الحاجة إلى اليقين، وضعف الثقة، وإغراء التفسير السهل لعالم شديد التعقيد.
وهكذا نشأت المريدية الرقمية؛ لا في الزوايا والخلوات، بل في البثوث المباشرة والصفحات، حيث قامت طريقته الصوفية الإلكترونية على المتابعة اليومية، وأعادت الخوارزميات إنتاج نوع جديد من التصوف، قوامه التكرار والانفعال لا المعرفة والتأمل. هنا لا يُقاس المريد بما يفهم، بل بما يُظهر من ولاء رقمي؛ بعدد المشاركات، وسرعة الدفاع، وحدّة الهجوم على المخالفين.
وتتشكل حول الرمز جماعات الإعجاب، حتى تنزلق العلاقة من التقدير الطبيعي إلى ما يشبه عبادة المؤثر؛ حيث يصبح الخطأ حكمة، والتناقض اجتهادًا، والصمت موقفًا عميقًا. ومع كل منشور جديد تُجدَّد البيعة الإلكترونية في التعليقات، ويصطف أتباع الشاشة في طوابير افتراضية، يوزعون الثناء والشتائم بحسب الحاجة.
وهناك، في أسفل كل منشور، تتكون طوائف التعليقات؛ جماعات صغيرة متحمسة ترى في الرمز خلاصًا شخصيًا، وتعتنق نوعًا من الإيمان بالترند، حيث تصبح الشعبية دليلًا، والانتشار برهانًا، وعدد المشاهدات شهادة صلاح. ومن هذا كله وُلدت جمهورية المريدين، لها لغتها الخاصة، وأعداؤها الجاهزون، وطقوسها اليومية.
وفي قلب هذا المشهد، جلس ضياء العوضي عند كثير من أتباعه في مقام شيخ المنصة؛ لا طبيبًا يُناقش، بل رمزًا يُتبع، تحيط به هالة يصنعها التكرار، حتى ينشأ كهنوت المحتوى؛ طبقة غير معلنة تحتكر التفسير، وتمنح صكوك القبول أو النفي.
وهكذا تتمدد سلطة المؤثر ومريديه، لا بقوة العلم ولا بصرامة المنهج، بل بسحر الحضور واستثمار الفراغ. ثم تبلغ الظاهرة ذروتها حين تُسبغ على الشخص القداسة الرقمية، فيُناقَش الجميع إلا هو، ويُراجع كل شيء إلا كلمته.
نعم، رحل ضياء العوضي رحمه الله، لكن سيبقى في المشهد من يصرّ على قراءة الطب بوصفه مؤامرة، وعلى تفسير الألم والمرض بوصفه فعلًا مقصودًا من “مافيا الدواء” أو غيرها من صور العدو الجاهز. ولن تنطفئ “الراية” برحيل حاملها، بل تُطوى لحظة لتُرفع من جديد فوق اسمٍ آخر. يبقى الانتظار قائمًا لـ“الإمام الجديد” الذي يعيد إنتاج الدائرة نفسها: طقوس تمجيد في التعليقات، ولاء يتجدد، عداء جاهز، ويقين كامل لا يترك في الحكاية مكانًا لسؤال واحد.




