د. ماجد فياض يكتب: من “الطيبات” في مصر إلى حمية الأسد في كندا: كيف تحولت المائدة إلى عقيدة؟

من يستطيع أن يجعلك تصدّق السخافات، يستطيع أن يدفعك إلى ارتكاب الكوارث.” هكذا لخص فولتير هشاشة العقل حين يُترك بلا حصانة معرفية، وهكذا تتكرر الحكاية ذاتها عبر تاريخ الدجل الطبي، شرقًا وغربًا، في مجتمعات تتفاوت في تقدمها العلمي لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: قابلية الإنسان لأن يُخدع حين يُخاطَب بما يريد أن يسمعه لا بما يجب أن يعرفه.
وقال فرانسيس بيكون: “المعرفة قوة.”
لكن ما لا يُقال دائمًا: أن المعرفة حين تُشوَّه، تتحول إلى قوة معكوسة الاتجاه، لا تبني وعياً بل تهدمه بصمت
على مدار أسابيع من البحث في تاريخ الدجل الطبي، تبيّن لي أن الظاهرة أوسع وأعمق مما كنت أتصور، وأنها لا تعترف بحدود جغرافية أو مستويات تقدم علمي كما يُظن.
فحتى في الولايات المتحدة، حيث كنت أعتقد أن الحصانة العلمية أقوى، وجدت أن هذه الخطابات قد وجدت لها حضورًا وتأثيرًا واضحًا.
والأكثر إرباكًا أن جمهورها لم يكن من البسطاء فقط، بل شمل متعلمين وأفرادًا من طبقات اجتماعية مرتفعة، وكأن المعرفة وحدها لا تكفي دائمًا لحماية الإنسان من خطابٍ يبدو مقنعًا حين يخاطب القلق والأمل أكثر مما يخاطب العقل.
في عام 1977، وفي مدينة هيوستن الأمريكية، ظهر ستانيسواف بورزينسكي (Stanislaw Burzynski)، حين بدأ الترويج لعلاج وهمي للسرطان أطلق عليه “الأنتينيوبلاستونز”. قدّم نفسه باعتباره الطبيب الذي اكتشف علاجًا تخفيه المؤسسات الطبية وشركات الدواء، فاجتذب آلاف المرضى اليائسين من أنحاء العالم. وكان الأثر الأخطر لتجربته دفع بعض المرضى إلى تأجيل أو رفض العلاجات المثبتة علميًا، مع استنزافهم نفسيًا وماديًا في مطاردة “العلاج المعجزة”.
وفي عام 1981، وفي مدينة ميونيخ بألمانيا، أسّس رايكه غيرد هامر (Ryke Geerd Hamer) ما سمّاه “الطب الجرماني الجديد”. ادّعى أن السرطان والأمراض المزمنة ليست أمراضًا عضوية حقيقية، بل نتائج لصدمات نفسية غير محلولة. وكان تأثيره خطيرًا في أوروبا؛ إذ دفع بعض المرضى إلى رفض العلاج التقليدي بالكامل، وتسبب في نتائج مأساوية وحالات وفاة موثقة.
وفي عام 1987، وفي مدينة نيويورك بالولايات المتحدة، اشتهر ألفريدو بومان، المعروف باسم “الدكتور سيبي” (Alfredo Bowman – Dr. Sebi)، بعد الترويج لفكرة أن الغذاء القلوي والأعشاب قادران على علاج معظم الأمراض.اكتسب نفوذًا واسعًا داخل بعض المجتمعات الأفروأمريكية، وتحولت أفكاره لاحقًا إلى ثقافة صحية منتشرة على الإنترنت. وكان تأثيره السلبي يتمثل في تشجيع المرضى على استبدال العلاج الطبي المعتمد بأنظمة غذائية وأعشاب مع تأخير أو رفض التدخلات الطبية الضرورية.
وفي عام 1993، وفي مدينة سان دييغو بالولايات المتحدة، برزت هولدا كلارك (Hulda Clark)، مدّعية أن الطفيليات والسموم هي السبب الأساسي لمعظم الأمراض، بما فيها السرطان والإيدز. روّجت لأجهزة كهربائية وأعشاب باعتبارها علاجًا شاملًا. وكان تأثيرها السلبي في تعزيز ثقافة الخوف من الطب الحديث، ودفع بعض المرضى نحو العلاجات الوهمية بدلًا من العلاج العلمي.
وفي عام 1993، وفي مدينة نيويورك بالولايات المتحدة، برز ديباك شوبرا (Deepak Chopra) عالميًا، بعد النجاح الكبير لكتبه ومحاضراته حول “الشفاء الكمي” والروحانيات الصحية. و“الذكاء الخلوي” استخدم لغة تبدو علمية لتمرير مفاهيم غير مثبتة طبيًا. وكان تأثيره السلبي في ترسيخ فكرة أن التأمل والطاقة والوعي يمكن أن تُقدَّم أحيانًا كبديل موازٍ للطب القائم على الدليل.
وفي عام 1995، وفي مدينة جينهوا بالصين، ظهر وانغ لين (Wang Lin)، باعتباره “معالجًا خارقًا” يستخدم طاقة الـQigong في علاج الأمراض.وصل نفوذه إلى رجال أعمال وشخصيات عامة، قبل أن تحيط به فضائح واسعة لاحقًا. وكان تأثيره السلبي في تعزيز الإيمان بالخرافات الصحية والطاقة العلاجية غير المثبتة داخل المجتمع الصيني.
وفي عام 1995 أيضا وفي ولاية كاليفورنيا الأمريكية، برز روبرت أو. يونج (Robert O. Young)، مروّجًا لنظرية «القلوية» التي ادّعت أن حموضة الجسم هي السبب الجذري لمعظم الأمراض، وأن الغذاء القلوي قادر على علاج السرطان والأمراض المزمنة، وهي أفكار تعرضت لاحقًا لانتقادات علمية وقانونية واسعة.
وفي عام 1998، وفي مدينة لندن بالمملكة المتحدة، ظهر أندرو ويكفيلد (Andrew Wakefield) بعد نشر دراسته الشهيرة التي زعمت وجود علاقة بين لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية (MMR) والتوحّد. ورغم سحب الدراسة لاحقًا، فإنها أطلقت واحدة من أخطر موجات الخوف من اللقاحات في التاريخ الحديث. وكان تأثيره كارثيًا على الصحة العامة؛ إذ انخفضت معدلات التطعيم في عدة دول، وعادت أمراض معدية كانت قد خضعت للسيطرة.
وفي عام 2001، وفي مدينة شيكاغو بالولايات المتحدة، برز جو ميركولا (Joseph Mercola) كأحد أبرز مروّجي الطب البديل عبر الإنترنت.هاجم التوصيات الطبية التقليدية، وروّج للمكملات والعلاجات غير المثبتة علميًا. ولعب دورًا في زيادة الشك تجاه اللقاحات والمؤسسات الصحية، خاصة خلال جائحة كورونا.
وفي عام 2008، وفي مدينة لوس أنجلوس بالولايات المتحدة، أسست الممثلة غوينيث بالترو (Gwyneth Paltrow) منصة Goop، التي روّجت لمنتجات ونصائح صحية مثيرة للجدل علميًا. وقد ساهمت في “تجميل” الأفكار غير العلمية وتقديمها في قالب رفاهية جذاب.
وفي عام 2012، وفي مدينة مكسيكو سيتي بالمكسيك، برز فرانسيسكو باريو (Francisco Barrio)، من خلال الترويج للعلاج الروحي و“تنظيف الطاقة الداخلية”. هاجم الطب التقليدي، وقدم “الطاقة” والطبيعة باعتبارهما بديلًا شاملًا للعلاج.
وكان تأثيره السلبي في زيادة الشك الشعبي تجاه الطب الحديث، خاصة بين الفئات محدودة التعليم أو محدودي الوصول إلى الرعاية الصحية.
في عام 2013، وفي مدينة ملبورن بأستراليا، ظهرت بيل جيبسون (Belle Gibson)، مدّعية أنها تعافت من سرطان المخ عبر “التغذية الطبيعية” و“الشفاء الذاتي”. تحولت قصتها إلى ظاهرة إعلامية واسعة، حيث حصدت ملايين المتابعين، وأطلقت تطبيقًا صحيًا خاصًا بها بعنوان The Whole Pantry.
لاحقًا، تبيّن زيف ادعاءاتها حول إصابتها بالسرطان وعلاجها منه، ما أدى إلى فضيحة إعلامية كبرى وقضية قانونية في أستراليا، انتهت بفرض غرامات وتعويضات مالية عليها بسبب التضليل والمكاسب غير المشروعة من المحتوى الذي روّجته.
في فبراير 2014، وفي مدينة القاهرة، بدأ الظهور الإعلامي الأول في لقاءات تلفزيونية، حيث تم الترويج لفكرة “جهاز قادر على علاج فيروس سي والإيدز باستخدام تقنية غير تقليدية تعتمد على تحليل الدم من بعد”. ثم في يوليو 2014، حدث الظهور الأوسع والأكثر إثارة للجدل خلال عرض رسمي داخل منشأة عسكرية في القاهرة، حيث تم تقديم الجهاز أمام وفود إعلامية وشخصيات عامة، وهو الحدث الذي رسّخ اسمه بشكل واسع في الإعلام المحلي والدولي. وبعد ذلك استمر الجدل حوله خلال عامي 2014–2015، إلى أن تبيّن علميًا وعمليًا عدم وجود أساس طبي معتمد للفكرة وفق معايير الطب المبني على الدليل.
وفي عام 2015 وفي مدينة موسكو بروسيا، ظهر إيغور شاغيرين (Igor Shchagerin)، مروّجًا لفكرة “التطهير الداخلي” ورفض الأدوية الحديثة.
اعتمد على خطاب يشكك في المؤسسات الصحية الرسمية. وكان تأثيره السلبي في تعميق انعدام الثقة بالمؤسسات الطبية، وتشجيع بعض المرضى على الاعتماد على وصفات غير مثبتة علميًا.
وفي عام 2017–2018، وفي مدينة تورونتو بكندا، برزت ميخائيلا بيترسون (Mikhaila Peterson)، من خلال الترويج لـ“حمية الأسد”، وهي حمية تعتمد تقريبًا على اللحوم فقط. قدّمت تجربتها الشخصية باعتبارها حلًا لمشكلات المناعة والاكتئاب والاضطرابات المزمنة. وكان تأثيرها السلبي في تحويل تجربة غذائية فردية إلى خطاب علاجي شبه مطلق، ما شجّع كثيرين على اتباع أنظمة غذائية متطرفة دون دليل علمي.
في عام 2023 تقريبًا، وفي مصر، ظهر ما عُرف بـ“نظام الطيبات”، حين بدأ الطبيب الترويج له عبر منصات التواصل وبعض اللقاءات العامة، مقدّمًا إياه كنموذج “تغذية علاجية” يقوم على تقسيم صارم للأطعمة إلى “طيّبات” و“غير طيّبات”.
ومع تطور الخطاب، لم يعد يقتصر على الغذاء فقط، بل امتد إلى الدعوة إلى ترك الأدوية حتى في حالات طبية حساسة ومعقدة، بما في ذلك أمراض المناعة وزراعة الكُلى، مع الاعتماد على فكرة “الاستشفاء الذاتي” كبديل علاجي.
مع هذا التنوع الجغرافي واللغوي العالمي، تتكرر نفس العبارات في هذه الخطابات: “اكتشفنا السر الذي يخفيه الأطباء” و“العلماء لا يريدونك أن تعرف”، حتى يتحول الطب المبني على الدليل إلى صورة “باردة”، بينما يُقدَّم الدجل في ثوب أكثر “إنسانية”. الطبيب الحقيقي يتحدث بلغة الاحتمال والدليل. أما الخطاب الزائف فيقوم على اليقين المطلق، في مقابل طبيب يطلب التحاليل والبراهين ودجال يَعِد بالشفاء السهل. وفي النهاية، يميل الإنسان بطبيعته إلى اليقين لا التعقيد، وإلى الطمأنينة السريعة لا التحفظ العلمي، بينما تكافئ وسائل التواصل ما هو مثير لا ما هو دقيق. وفي المقابل، منحت وسائل التواصل الاجتماعي أفضلية هائلة لمن يثير المشاعر لا لمن يملك الحقيقة؛ إذ لا تكافئ الخوارزميات الدقة، بل تكافئ الإثارة والانفعال.
الخطورة لا تكمن في وجود نصائح غذائية أو أساليب نمط حياة صحي، فهذا جزء أصيل من الطب. فلم يعد الأمر مقتصرًا على النصائح أو الحميات، بل امتد إلى بناء “ديانات صحية” كاملة؛ فكما تحولت حمية الكيتو إلى عقيدة، وأصبح الأكل النباتي لدى بعضهم رسالة أخلاقية كونية، جرى تحميل الغذاء ما لا يحتمله علميًا ولا طبيًا، وتحويله من نمط حياة إلى منظومة خلاص.





