د. ماجد فياض يكتب: كيف تشكّل التضليل الطبي في مصر؟

في مايو 2003، وخلال أزمة فيروس السارس، صاغ الباحث الأمريكي ديفيد روثكوف مصطلح «الإنفوديميا» (Infodemic) لوصف وباءٍ موازٍ يصاحب الأزمات الصحية؛ سيلٍ جارف من المعلومات المضللة والشائعات والمخاوف والتكهنات، تمتزج فيه الحقائق بالأوهام حتى يصعب التمييز بينهما، فيربك العقول، ويتجاوز في أثره المرض نفسه، فيقوّض الثقة العامة، ويهزّ المجتمعات، ويخلّف خسائر تمتد إلى ما هو أبعد من حدود الأزمة التي أطلقته.
وفي عام 2020، ومع اجتياح جائحة كوفيد-19 للعالم، تبنّت منظمة الصحة العالمية رسميًا مفهوم «الإنفوديميا»، مؤكدة أن العالم لا يواجه وباءً فحسب، بل يواجه أيضًا وباءً معلوماتيًا ينتشر أسرع من الفيروس نفسه، ويُضعف قدرة الناس على التمييز بين العلم والخرافة، وبين الدليل والادعاء، وبين العلاج الحقيقي والوهم. ومنذ ذلك الحين، لم يعد التضليل الطبي مجرد خلل إعلامي أو تجاوز مهني، بل أصبح قضية صحة عامة وأمنًا مجتمعيًا تستحق أن تُواجَه بالجدية نفسها التي تُواجَه بها الأوبئة العابرة للحدود.
الدجل الطبي ظاهرة عالمية لا تخلو منها حتى الدول الكبرى، لكن الفارق الحقيقي لا يكمن في وجوده، بل في قدرة المؤسسات على عزله واحتوائه قبل أن يتحول إلى رأي عام. أما «الإنفوديميا» المصرية فلم تعد موجة عابرة تظهر مع الأزمات الصحية ثم تنحسر، بل تحولت إلى حالة مزمنة مستقرة تعمل على مدار العام؛ انتقل فيها التضليل من ظرف استثنائي إلى بنية دائمة، بل إلى صناعة قائمة بذاتها.
وهنا يتجلى الفارق الجوهري: ففي كثير من الدول المتقدمة، حين تنتشر معلومة طبية خاطئة، تتدخل مؤسسات قوية للتصحيح السريع؛ جامعات، وجمعيات علمية، وصحافة متخصصة، وهيئات تنظيمية تملك سلطة الرد والاحتواء قبل أن يتحول الخطأ إلى يقين جماهيري. أما في مصر، فغالبًا ما يأتي التصحيح متأخرًا وأقل جاذبية من الرسالة المضللة نفسها، فتكتسب الشائعة أفضلية زمنية تجعلها أكثر رسوخًا، وأطول عمرًا، وأوسع أثرًا من الحقيقة ذاتها.
فالتضليل الطبي في مصر لا يعيش فقط في ظلال وسائل التواصل الاجتماعي، بل حجز لنفسه مقاعد ثابتة تحت أضواء الاستوديوهات وعلى شاشات يُفترض أنها حارسة للوعي العام. وهنا لا يأتي الخطر من الهامش، بل من المنصة نفسها؛ حين تُمنح الشرعية للأطباء المزيفين، وأنصاف المتعلمين، ولمن يملكون ثمن الظهور لا ثقل المعرفة. وهكذا لا يصبح الإعلام مجرد ناقل للوهم، بل أحد صُنّاعه وموزّعيه.
فمنذ سقوط محمد الوكيل عام 2002 في قضية الرشوة مقابل الظهور الإعلامي في برنامج «صباح الخير يا مصر»، وما تبع ذلك من شيوع مصطلح «الزِّيس» في الأوساط الإعلامية، بوصفه تعبيرًا عن تسليع الظهور الطبي عبر الباقات والسماسرة وشبكات العلاقات، بدأت تتشكل ملامح سوق غير رسمي للظهور الطبي؛ سوقٌ له حساباته، يُصنع فيه «الخبير المزيف» إعلاميًا قبل أن يصنع نفسه علميًا في قاعات المحاضرات والمختبرات.
وهكذا نشأ في مصر ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد الشهرة الطبية»، حيث صار الظهور الإعلامي وسيلة لاكتساب المصداقية قبل استحقاقها، وتحولت بعض المنصات، عن قصد أو عن جهل، إلى شريك مباشر في صناعة الوهم الطبي؛ تمنح الشرعية لمن يملكون المال ويجيدون تسويق أنفسهم، أكثر مما يجيدون أبسط قواعد العلم. وبذلك لم تعد الإنفوديميا مجرد أزمة معلومات، بل أزمة وعي، وأزمة مؤسسات، وأزمة ضمير.
وبينما يجتهد الإعلام والدراما في إبراز تضحيات الجيش والشرطة ودورهما في حفظ الأمن، يظل في مساحات أخرى بابٌ مفتوح لمحتوى يهدد أمنًا من نوع آخر؛ أمن الوعي والأمن القومي الصحي. وهكذا يتجاور خطاب الانضباط والتضحية مع خطاب آخر أكثر ارتباكًا، تختلط فيه الحقيقة بالشائعة، والعلم بالإثارة.
ولا يقتصر دور بعض وسائل الإعلام على إتاحة المنابر لأصحاب المعلومات الطبية المضللة، بل يمتد أحيانًا إلى صناعة الذعر ذاته. فالسعي وراء الإثارة يدفع بعض البرامج إلى تضخيم القصص الصادمة فتتحول الشائعة إلى عنوان الحقيقة. ولعل شائعة خطف الأطفال لسرقة الأعضاء مثال واضح؛ إذ رغم غياب الأدلة العلمية أسهم التناول الإعلامي المبالغ فيه في ترسيخها داخل الوعي الجمعي حتى بدت حقيقة مسلّمًا بها. ولم تكن الدراما بعيدة عن هذا الأثر، إذ كرست في أعمال عديدة صورة الطبيب المهمل أو وتاجر الأعضاء الجشع حتى غدت هذه النماذج الشاذة تصورًا ذهنيًا متكررًا لدى قطاعات من الجمهور.
كما تتسم الإنفوديميا المصرية بدرجة عالية من الامتزاج بين الطب والشبكات الاجتماعية والثقافية والدينية، حيث لا تنتقل المعلومة عبر قنواتها العلمية فقط، بل عبر دوائر الأقارب والجيران وبعض الممارسين غير المتخصصين، فتكتسب الشائعة قوتها من شرعية الاجتماع لا من قوة الدليل.
ويأتي بعد ذلك عامل بنيوي آخر يتعلق بطبيعة الثقافة الصحية العامة، حيث تختلط الخبرة الشخصية بالمعرفة العلمية دون تمييز واضح بينهما. فالتجربة الفردية تتحول أحيانًا إلى «دليل بديل» ينافس الدراسات العلمية، خصوصًا مع ضعف أدوات التفكير النقدي.
كما أن هناك جانبًا اقتصاديًا مهمًا؛ فالتضليل الطبي لا ينتشر فقط لأنه مقنع، بل لأنه مربح. هناك سوق كاملة مبنية على بيع الأمل السريع والحلول السحرية: علاج السرطان بالأعشاب، وعلاج العقم بالمكملات، وإنقاص الوزن بالفوّارات.
لكن الأمر لا يتوقف عند ربح المروّجين وحده، بل يتغذى أيضًا على الأزمة الاقتصادية التي يئن تحت وطأتها أغلب المصريين؛ فحين يصبح العلاج الحقيقي مكلفًا أو بطيئًا أو معقدًا، تغدو الوعود السريعة أكثر جاذبية، حتى لو كانت بلا أساس علمي. وهكذا لا ينمو سوق «الحلول السحرية» في بيئة جهل فقط، بل في بيئة ألم أيضًا؛ ألم المرض، وضغط الحاجة، ورغبة الإنسان في اختصار الطريق إلى الشفاء بأي ثمن.
كما لا يمكن فهم التضليل الطبي في مصر باعتباره مجرد انحرافات فردية متفرقة، بل بوصفه نتيجة لتآكلٍ تدريجي في بنية الوسيط المعرفي بين العلم والجمهور. فحين تضعف اللغة العربية القادرة على شرح الطب، ويغيب التبسيط العلمي الرصين، يُترك فراغٌ واسع لا يملؤه العلم بقدر ما تملؤه التأويلات والخرافات والخطابات البديلة.
وفي هذا الفراغ لا تتحرك المعلومة المضللة وحدها، بل تتحرك معها حاجة إنسانية أعمق: الحاجة إلى اليقين. فالإنسان، في لحظات المرض والخوف، لا يبحث دائمًا عن الحقيقة الأكثر دقة، بل عن الإجابة الأكثر طمأنة. ولهذا لا تنتشر الخرافة لأنها أبسط فقط، بل لأنها تمنح ما يعجز العلم أحيانًا عن منحه: يقينًا سريعًا، وسببًا واضحًا، ووعدًا مباشرًا بالخلاص.
فالحقيقة العلمية بطبيعتها معقدة، احتمالية، ومفتوحة على المراجعة والتصحيح، والحقيقة الطبية—بكل ما تحمله من دراسات وأدلة وتجارب—تسير على عكازين، بينما الشائعة تركض بلا قيود.
في المقابل، تمنح الخرافة إجابات حاسمة ومغلقة. ويزداد هذا الميل حين يفشل الخطاب الطبي في ترجمة المعرفة إلى لغة قريبة من وجدان الناس، فيتسع الفراغ بين غرفة العمليات والشارع، وبين الدليل والفهم.
وفي أحيان كثيرة، لا يكون معيار القبول الجماهيري قائمًا على العلم وحده، بل على القدرة على التأثير والإبهار. فالجمهور يميل بطبيعته إلى الشخصيات ذات الكاريزما العالية والحضور القوي، لأنها تمنحه إحساسًا باليقين والنجاة. ويميل بعض الناس أيضًا إلى تصديق نظريات المؤامرة حين تبدو لهم الحقيقة الرسمية معقدة أو باردة أو غير مقنعة عاطفيًا؛ فالمؤامرة تمنح شعورًا زائفًا بالنظام والسيطرة. وغالبًا ما يرتدي المحتوى المضلل ثوب “التمرد على المنظومة”: حديث عن شركات الأدوية، ونظريات مؤامرة، ووعود بحلول طبيعية سحرية. وهي روايات جذابة نفسيًا، لأنها تمنح المريض شعورًا زائفًا بالسيطرة، وتُبسّط عالمًا شديد التعقيد في جملة واحدة.
كما إن تجارب بعض المرضى مع ممارسات طبية سيئة أو تواصل جاف من بعض الأطباء، حتى لو كانت فردية أو غير ممثلة، تترك أثرًا يتجاوز حدود اللحظة العلاجية نفسها. فالمريض لا يحتفظ فقط بذكرى الألم أو التشخيص، بل أيضًا بانطباعه عن المنظومة كلها. ومع تكرار هذه الخبرات السلبية أو تضخيمها عبر السرد الاجتماعي، تتآكل صورة الطبيب بوصفه مصدرًا للثقة.
وفي بعض الحالات، لا تكون العلاقة المتوترة مع الأطباء ناتجة فقط عن تجربة علاجية سيئة، بل تمتد إلى طبقة أعمق من التفسيرات الاجتماعية المرتبطة بالترقي المهني والمادي. فصعود الطبيب اجتماعيًا قد يثير لدى بعض الفئات شعورًا غير معلن بالمسافة أو عدم العدالة أو المقارنة الضمنية، ما قد يتحول إلى نفور أو رفض رمزي.
وفي بعض السياقات الاجتماعية، لا يُوجَّه الغضب دائمًا إلى مصدره الحقيقي، خاصة عندما يكون هذا المصدر بعيدًا عن قدرة الفرد على المقاومة أو المواجهة، مثل الدولة ومؤسساتها. وبدلًا من ذلك تحدث حالة من «الإزاحة»، حيث يُعاد توجيه هذا الغضب نحو الحلقة الأضعف والأقرب والأكثر تماسًا بالحياة اليومية. وفي هذا الإطار يصبح الطبيب هدفًا لانفعالات أوسع لا تتعلق به مباشرة، بل تعكس توترًا أعمق في ثقة وعلاقة الفرد بالمنظومة الصحية كلها.
كما لا يمكن إغفال أن البيئة الرقمية الحديثة لا تكافئ صحة المعلومة بقدر ما تكافئ قدرتها على جذب الانتباه؛ فالمحتوى الأكثر إثارة وغرابة وصدامية هو الأقدر على الانتشار.
وتزداد خطورة التضليل الطبي حين يُغلَّف برداء ديني؛ لأن المعلومة هنا لا تُقدَّم باعتبارها اجتهادًا قابلًا للنقاش، بل باعتبارها جزءًا من يقين أعلى يصعب مساءلته.
وفي عمق الظاهرة، هناك عطش نفسي قديم لدى كثيرين لفكرة أن يكون لدينا «علمٌ خاصٌ بنا» مستقل عن ما يُنظر إليه كهيمنة معرفية غربية. ولهذا ينجذب البعض إلى أي خطاب يتجاوز ما تنتجه المختبرات والمؤسسات الغربية، حتى لو كان بلا دليل.
لهذا لا تبدو الإنفوديميا في مصر مجرد أزمة معلومات، بل ظاهرة مركّبة تتشابك فيها هشاشة المؤسسات، واضطراب الإعلام، وضغط الاقتصاد، وثقل الموروث الشعبي والديني، حتى يغدو الدجل الطبي فيها عرضًا لخللٍ أعمق في بنية الثقة والوعي معًا. وكل محاولةٍ لمواجهته بمعزل عن إصلاح هذا الخلل ليست إلا مطاردةً للظل وتركًا للجسد الذي يصنعه. فالمعركة الحقيقية ليست في هزيمة الكذب وحده، بل في بناء إنسانٍ لا يحتاج إلى تصديقه.





