د. ماجد فياض يكتب: كيف أصبحت أمريكا عاصمة العلم والدجل الطبي معًا؟
في عام 2016، وجدت نفسي داخل قاعة ضخمة في فندق فيرمونت بمدينة دالاس في ولاية تكساس، أحضر لأول مرة مؤتمرًا متخصصًا في مسالك بولية الأطفال.
شاهدت كيف تساهم دول العالم جميعًا في صناعة المعرفة الطبية. ورأيت، بالصدفة، مدرسًا مساعدًا من جامعة المنصورة يعرض أبحاث مركز غنيم حول أورام نادرة في المسالك البولية لدى الأطفال، كما رأيت أبحاثًا من أمريكا اللاتينية وأوروبا وآسيا وكندا والولايات المتحدة. كانت المعرفة تتدفق من كل مكان لتصب في نهر واحد اسمه الطب الحديث.
في مصر، لا أكاد أعرف جراح مسالك بولية يقتصر نشاطه بالكامل على مسالك الأطفال فقط إلا في حالات نادرة، بينما كنت أقابل هناك جراحين كرّسوا حياتهم المهنية كلها لمرحلة قصيرة من عمر الإنسان. أطباء متخصصون في جراحات المسالك البولية للأجنة قبل الولادة، ثم يُسلَّم الطفل بعد ثمانية وعشرين يومًا من ولادته إلى طبيب مسالك بولية للأطفال.
لكن المفارقة كانت تبدأ كل مساء. حيث كنت أخرج من المؤتمر محمّلًا بالإعجاب بالعقل البشري، ثم أصطدم على الأرصفة وفي المكتبات بكتب تتصدر قوائم المبيعات وتبني شهرتها على فكرة واحدة: أن الطب كله مخدوع أو مضلل أو جزء من مؤامرة كبرى.
فقد ظهرت في الولايات المتحدة، على مدى عقود، كتب حققت انتشارًا واسعًا عبر التشكيك في الطب الحديث أو الإيحاء بوجود حقائق صحية تخفيها المؤسسة الطبية عن الجمهور. فمنذ كتاب «العلاج الشافي لجميع الأمراض» (1993)، وسلسلة «ما الذي قد لا يخبرك به طبيبك؟» التي بدأت عام 1996، ثم كتاب «العلاجات الطبيعية التي لا يريدونك أن تعرفها» (2005)، وصولًا إلى «تبديد الأوهام» (2013) و«هوس الفيروسات» (2014)، ظل الخيط واحدًا: التشكيك في بعض ركائز الطب الحديث، من اللقاحات إلى فهم الأمراض المعدية، والإيحاء بأن هناك حقائق لا يعرفها الأطباء أو لا يريدون الإفصاح عنها.
والعجيب أن هذه الظاهرة لم تتراجع، بل بدت لي أكثر جرأة بعد عودتي من الولايات المتحدة. فتابعت ظهور عناوين مثل «الحقيقة بشأن السرطان»، و«كيف ننهي وباء التوحد» (2018)، و«الأكاذيب التي أخبرني بها طبيبي» (2019)، ثم كتب أكثر راديكالية مثل «ما الذي يجعلك مريضًا حقًا؟» و«الأكاذيب التي درّستها في كلية الطب» (2024). وهكذا لم تعد المسألة مجرد كتب متفرقة، بل تحولت إلى سوق كاملة لا تبيع للقارئ دواءً ولا بحثًا علميًا، بقدر ما تبيع له شعورًا مغريًا بأنه اكتشف سرًا عظيمًا غاب عن العلماء والأطباء ومراكز البحث في أنحاء العالم.
لم تكن هذه الكتب مجرد أعمال معزولة، بل بدت لي جزءًا من ظاهرة ثقافية متواصلة في المجتمع الأمريكي؛ ظاهرة تقوم على وجود جمهور واسع مستعد دائمًا للاستماع إلى من يقول له إن الأطباء أخطأوا، وإن العلم أخفى الحقيقة، وإن الحل أبسط بكثير مما تقوله الجامعات والمستشفيات والمجلات العلمية.
وفي كل مرة كنت أتساءل:كيف يمكن للمجتمع نفسه الذي ينفق مليارات الدولارات على البحث العلمي أن ينفق ملايين أخرى على شراء كتب تشكك في العلم؟
وكيف لبلدٍ أنفق ثروات هائلة على التعليم والبحث العلمي، حتى أصبحت أكثر من تسعة أعشار سكانه قد أتموا التعليم الثانوي، ونحو أربعة من كل عشرة بالغين يحملون شهادة جامعية، أن يفتح أبوابه في الوقت ذاته لباعة الأوهام ومروجي الخرافة الطبية؟ وهل تكفي الشهادة التعليمية وحدها لتحصين الإنسان من الوهم، أم أن العقل البشري يظل، مهما بلغ من العلم، قابلًا لتصديق ما يريحه أكثر مما يصدقه ما يثبته الدليل؟
وفي إحدى الأمسيات، “وقفت أعلى برج رينيون أتأمل دالاس المغمورة بالضوء. بدت مدينةً مذهلةً، غابةً من الأبراج والزجاج.” لكنني لم أرَ مدينة، بل رأيت مفارقة كاملة اسمها أمريكا؛ بلدًا يضحك فيه التناقض، وأرضًا للصعود إلى الذروة ومنحدرًا للسقوط إلى الوهم. هنا يبلغ العقل أقصى ما يستطيع الإنسان بلوغه، ويبلغ الوهم أقصى ما يستطيع إغواءه. هنا يجلس الباحث الذي أفنى سنوات عمره في مطاردة الحقيقة إلى جوار من جمع الشهرة وهو يبيع يقينًا سهلًا لجمهور متعطش للطمأنينة. هنا قبلة العلماء ورواد الاكتشاف، ومنبر الباعة والدجالين وصناع الأوهام. وهنا، في أكبر سوق للأفكار عرفه التاريخ، يتجاور الدليل والخرافة، والعالِم والدجال. يومها فهمت أن سر أمريكا ليس أنها تُنبت المعرفة وحدها، بل أنها تمنح الميكروفون للجميع.
سنوات طويلة مرت على تلك الليلة، وما زلت أتساءل: يا أمريكا… بتعمليها إزاي؟
كيف أصبحت أكبر منتج للمعرفة الطبية في العالم، وفي الوقت نفسه أكبر سوق للشك فيها؟
ومع البحث عن الإجابة، اكتشفت أن القصة أقدم بكثير مما تخيلت. فالدجل الصحي في أمريكا لم يولد مع الإنترنت ولا مع وسائل التواصل الاجتماعي، بل يمتد بجذوره إلى قرون سابقة، حين كانت الأدوية «المعجزة» والعلاجات السحرية والأطباء المتجولون
والكنائس العلاجية وحركات رفض اللقاحات. لذلك لم يكن الشك في الطب انحرافًا عابرًا، بل جزءًا من تاريخ طويل سار فيه الوهم إلى جوار المعرفة وجزءًا من المشهد الأمريكي نفسه.
ربما لأنها ليست دولة فحسب، بل سوق هائلة للأفكار. وفي الأسواق لا ينتصر دائمًا الأكثر علمًا، بل الأكثر قدرة على جذب الانتباه. فالباحث المبدع قد يقضي سنوات من عمره ليصل إلى حقيقة صغيرة، بينما يكفي عنوان صادم ليجذب ملايين القراء. والسوق لا تكافئ الباحث المبدع بقدر ما تكافئ صاحب العنوان الصادم. لذلك ليس غريبًا أن تزدهر، في البلد الذي يقود العالم في إنتاج المعرفة، تجارة التشكيك في هذه المعرفة أيضًا.
وربما يكمن جزء من الإجابة في ثقافة الفردانية الأمريكية نفسها. فالفكرة التي تقول: «لا أحد يخبرني ماذا أفعل» ساهمت في صنع كثير من الابتكار والجرأة على تحدي المألوف، لكنها ساهمت أيضًا في ترسيخ الشك في المؤسسات والخبراء. فمن السهل أن يتحول التمرد على السلطة إلى تمرد على المعرفة ذاتها. ولهذا يجد الجمهور جاذبية خاصة في كل من يهمس له بأنه اكتشف الحقيقة التي غابت عن العلماء، أو أن لديه جوابًا بسيطًا لسؤال أعجز الجامعات والمختبرات لسنوات طويلة.
ثم يأتي العامل الاقتصادي. فالنظام الصحي الأمريكي، رغم تفوقه العلمي الهائل، يُعد من أكثر الأنظمة الصحية تكلفةً وتعقيدًا في العالم. وحين يجد المريض نفسه عالقًا بين الفواتير والإجراءات، ومستنزفًا في صراعه مع شركات التأمين، لا يعود يبحث فقط عن العلاج، بل عن تفسير لمعاناته، ويتسلل إليه شعور بأنه يقاتل منظومةً أكبر منه. وعندما يشعر الإنسان بأنه ضحية، يصبح أكثر قابليةً لتصديق من يَعِده بطريق مختصر، وعلاجٍ أرخص، وحقيقةٍ خفيةٍ لا يريد الآخرون أن يعرفها.
وهكذا تلتقي قوة الإعلام مع الإحباط الشعبي وثقافة التمرد على السلطة، فتولد بيئة مثالية لازدهار الدجل الصحي. فالعلم يتقدم ببطء، ويتحدث بحذر، ويصوغ أحكامه بلغة الاحتمالات، أما الدجل فيقدم نفسه في صورة يقين كامل لا يعرف الشك. وقد يقضي باحث سنوات طويلة ليضيف سطرًا جديدًا إلى المعرفة، بينما يكفي بائع الوهم أن يرفع هاتفه ويقول: «الحقيقة التي أخفاها عنكم الأطباء» ليحصد ملايين المشاهدات. ولهذا كانت الخرافة دائمًا أكثر جاذبية من الحقيقة، وكان الوعد أكثر إغراءً من الدليل.
وبالطبع، تنتهي ضوضاء هذه التريندات كما بدأت؛ صاخبة ومثيرة للانتباه، ثم تتراجع لتفسح المجال لموجة جديدة من الادعاءات والوعود. لكنها، قبل أن تنطفئ، تكون قد تركت وراءها ضحايا خُدعوا، وشكوكًا زُرعت، وثقةً تآكلت في الطب والأطباء والعلم نفسه.
ولهذا أحذر من الانبهار بكل ما يأتي من هناك، أو التعامل مع الدجل الأمريكي باعتباره أكثر مصداقية لمجرد أنه يتحدث بلهجة أمريكية ويحمل غلافًا أنيقًا. فالحقيقة العلمية لا تكتسب قيمتها من لون عيني قائلها، ولا من جنسيته، ولا من عدد متابعيه، بل من قوة الدليل الذي يستند إليه.
ومع كل الانتقادات المشروعة للطب الحديث، يبقى من الإنصاف أن نتذكر ما الذي نتحدث عنه أصلًا. هل نتحدث عن مؤسسة غامضة تعيش على المؤامرات، أم عن أعظم مشروع علمي تعاوني عرفته البشرية؟
فالطب هو اللغة العالمية التي يشارك في صناعتها أبناء الأرض جميعًا. وهو المنظومة التي خفضت وفيات الأطفال، وقضت على أوبئة حصدت ملايين الأرواح، ورفعت متوسط العمر، وحوّلت أمراضًا كانت تعني حكمًا بالموت إلى أمراض يمكن التعايش معها، واخترقت القلب والدماغ والشرايين، وعالجت الأجنة قبل ولادتهم، وزرعت الأعضاء، وأعادت السمع والبصر والحركة لملايين البشر.
والطب هو أعظم قصة نجاح علمية عرفتها البشرية، وأكثر المنظومات الإنسانية شجاعة في مراجعة نفسها. نعم، له أخطاؤه ومصالحه وصراعاته البشرية مثل أي نشاط إنساني عظيم، وقد تُسحب توصية علاجية، أو يُكتشف قصور في دواء ما، لكن هذه ليست علامة ضعف، بل علامة حياة. فالطب لا يتقدم لأنه معصوم من الخطأ، بل لأنه يراجع أدلته باستمرار.
إن اختزال هذا الإرث الحضاري الهائل في مؤامرة كبرى، واعتبار ملايين الأطباء والباحثين والعلماء مجرد أدوات في يد شركات الدواء، هو تبسيط ساذج لعالم بالغ التعقيد. فالطب لا يدّعي الكمال، ولا يَعِد باليقين المطلق، لكنه يقترب من الحقيقة خطوة بعد خطوة، ويصحح مساره كلما ظهر دليل أقوى ، أما الدجل، فلا يبيع الناس معرفةً، بل يبيعهم يقينًا كاملًا وطريقًا مختصرًا إلى الخلاص.”
فالطائرات قد تسقط أحيانًا، لكن أحدًا لا يعود بعدها إلى السفر على ظهور الجِمال.




