fbpx
أهم الأخبارمنتدي الدكاترة

د. أسامة حمدى يكتب: المعادلة الصعبة لجودة الخدمة الطبية و «٥٧٣٥٧»

الأركان الأربعة للخدمة الطبية الجيدة هي: جودة الخدمة، وخفض التكلفة، ورضاء المريض، ورضاء مقدم الخدمة. هكذا عرفها الغرب وطبقها، وتنافس من أجلها، بل نشر آلاف الأبحاث في اقتصادات العمل الصحي.

وخلل ضلع من الأربعة يُفشل تمامًا المنظومة الصحية في أى مستشفى، أو مركز طبي، فمن غير المقبول أن تقدم خدمة طبية جيدة بتكلفة عالية جدًا حتى لو رضي عنك المرضى والأطباء، كما لا يمكن أن تقدم خدمة طبية سيئة بتكلفة قليلة وتعتبرها حجتك.

مشكلة مستشفى سرطان الأطفال ٥٧٣٥٧، تكمن في أن المستشفى لم يدرك أحد أضلاع الرباعية

وتفشل المنظومة الطبية تمامًا إذا لم يرضَ المريض، أو مقدم الخدمة من أطباء ومعاونين لانعدام المقابل المناسب، وهي مشكلة معظم المستشفيات الحكومية.

اقرأ أيضًا.. مستشفى 57357 يفك الوديعة الأخيرة لمقاومة شبح الإغلاق

والحقيقة أن المعادلة صعبة جدًا، وتحقيقها يحتاج إلى جهد ودراسة كبيرة وخبرة، فتكلفة العلاج الطبي في ارتفاع مستمر من أدوية وأجهزة، وسقف توقعات المرضى مرتفع، وتدريب الأطباء لتحقيق المستوى المطلوب شاق ومكلف. وفي عموم مصر، لم تنجح سوى تجارب محدودة جدًا لتحقيق المعادلة الرباعية.

ومعظم هذه النجاحات كانت في مراكز أكاديمية ذات طابع خاص متحرر من بعض القوانين العقيمة، خاصة في جانب المرتبات، وانتقاء الأفضل في منظومة العمل، وإبعاد الفاشل، وبالطبع اختيار الإدارة الدارسة الواعية ذات الخبرة. ومثال هذا النجاح النادر مركز المسالك البولية، ومركز الجهاز الهضمي بجامعة المنصورة، فبرغم التكلفة الضخمة لعمليات زراعة الكلى والكبد ومتابعتها، التي تفوق بمراحل تكلفة علاج السرطان، حقق المركزان المعادلة الصعبة للتوازن بين الأضلاع الأربعة.

فهذان المركزان جذبا المرضى بجودة خدماتهما، وحصَّلا أجر الخدمة من القادر عليها، وقدما فوق ذلك نفس الخدمة المميزة مجانًا لغير القادرين على تكلفتها، ثم أغلقا الفجوة في ميزانيتهما من التبرعات المقننة، وتعاملا بموضوعية مع التأمين الصحي، فاستطاعا تقديم الخدمة لعدد ضخم من المرضى مع الرضاء شبه التام من الأطباء والمرضى.

اقرأ أيضًا.. رئيس «57357»: اللى بيراقب علينا ربنا.. ونسبة الصرف على الاعلانات 13%

مشكلة مستشفى سرطان الأطفال ٥٧٣٥٧، تكمن في أن المستشفى لم يدرك أحد أضلاع الرباعية، أو ربما تجاهلها تمامًا، فقدم خدمة طبية جيدة بتكلفة باهظة جدًا، وذلك ربما لبذخ الإدارة في الصرف اعتمادًا على استمرار منظومة الدعاية والتبرعات، التي نافسها فيها حاليًا مستشفيات ومؤسسات خيرية أخرى!

تصرفت إدارة المستشفى كأى مستشفى خاص بميزانية مفتوحة، لا كمستشفي ممول بالتبرعات، من واجبه تقديم الخدمة الطبية الجيدة لأكبر عدد من غير القادرين بأقل تكلفة، وبتدبر وحذر، والإعلان بشفافية ومصداقية عن ميزانيته وأوجه الصرف فيها.

فمن غير المنطقي أو المقبول أن يعلن مدير المستشفى على الملأ أن الرقيب على أوجه صرفه هو “الله”!! بالطبع نعم بالله، ولكن لو قال ذلك في الغرب لأصبحت قصة ربما لن تنتهي. الإدارة التي تهدر ٢،٣ مليار جنيه، ولا يتبقى منها سوى ٣٠٠ مليون لتصرفها في ٤ أشهر قادمة بدعوى ارتفاع تكلفة علاج المرضى، تستحق المراجعة الدقيقة من مجلس أمنائها المؤتمنين على أموال المتبرعين.

الإدارة التي تصرف من ميزانيتها في غير ما يصب مباشرة في الغرض المنشأة من أجله تستحق بالتأكيد المراجعة من مجلس أمنائها. الإدارة التي تجمع تبرعات من الخارج، ولا يصل منها شيء لخدمة المرضى مباشرةً يجب أن تراجع من مجلس أمنائها، الذين أعهدهم أشخاصًا على قدر كبير من العلم والفهم والإدراك، ومنزهين تمامًا عن المصلحة.

ما ذكره المستشار عدلي حسين من مخاوف أو شكوك بشأن المستشفى يجب دراسته بنزاهة وإمعان وحيادية. لا يتمنى أحد منا فشل أي منظومة طبية ناجحة في مصر، وأنا أولهم، ولكن يجب إعادة النظر بتمعن في أسلوب الإدارة لتحقيق المعادلة الرباعية لجودة الخدمة الطبية، وتقديمها لأكبر عدد من المرضى غير القادرين.

أتمنى أن يستمر المستشفى بطاقمه الطبي المميز في خدمة الأطفال المصابين بالسرطان، شفاهم الله، وأن توجه التبرعات بشفافية ووضوح إليه وإلى المستشفيات الحكومية والجامعية المميزة. أقول ذلك من موقعي لأكثر من ربع قرن في منظومة طبية غير هادفة للربح، وملتزمه بعملها المميز في أكبر جامعات العالم.. والله الموفق للجميع.

د. أسامة حمدي

أستاذ أمراض السكرى بجامعة هارفارد

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى