أهم الأخبارمنتدي الدكاترة

د. ماجد فياض يكتب: طب الغلابة

بينما يوجد في العالم تخصص طبي إسمه طب المناطق الحارة و طب الصناعات وطب المجتمع تنفرد مصر بوجود لون بديع وفظيع من الطب إسمه طب الغلابة.!!

إنه نوع من الطب يشبه العوالم السفلية التي تلعب بالبيضة والحجر وله خصائصه و مصطلحاته وطرائقه العلاجية القددا
حتي إن بعض المراكز تخلط كوكتيلات من الحقن المختلفة لبعض الأمراض الشائعة وتسميها بإسمها تماما كما تفعل محلات الكشري حين تُسمي أطباقها المختلفة.

يعتمد طب الغلابة علي علاج الأعراض فمن يشتكي مثلا من إسهال يأخذ دواء له ومن يُعاني من إرتفاع درجة الحرارة فيوصف له خافض حرارة ومضاد حيوي دون عناء البحث وإعمال العقل عن الأسباب نفسها ، أما من ناحية الجراحة فلا يعرف طب الغلابة مثلا عن المناظير المرنة وأدوات الجراحة الحديثة ولبس العمليات وفرش التعقيم الجراحي الذي يُستعمل لمرة واحدة فقط ولمريض واحد شيئا ، فمعظم هذه العمليات الجراحية تتم في العيادات و في مراكز طبية بسيطة جدا غير مؤهلة ومجهزة لإجراء العمليات الجراحية ويدير معظمها فعليا غير الأطباء ، و من ناحية التعقيم الطبي الجراحي لا يعرف طب الغلابة شيئا عن التعقيم بالبلازما أو حتي الأتوكولاف ربما آخر ما توقف عنه هو الغلي بالماء ، أما الذهاب للمعمل فهو رفاهية أحيانا وإن حدث فمعامله ما يُطلق عليه معامل (بير السلم) التي يعمل بها ويديرها فنيين خريجين معاهد صحية أو كميائيين خريجين علوم أو زراعة دون إشراف طبيب بشري متخصص في التحاليل الطبية فكل ما يهم فقط أن تكون الأسعار رخيصة وليس مهما أن الغلبان نفسه يدفع دم قلبه لاحقا حين يضطر بعد ذلك لعمل سلسلة من التحاليل والفحوصات الأخري في معامل أكبر ومراكز أشعة أخرى بسبب تضليل النتائج وخطأ التحاليل كما يحدث كثيرا.

لا نعرف لماذا دائما طب الغلابة له ذراع إعلامي قوي يحتفي بنجومه بدلا من إدانتهم ربما لحاجة في نفس يعقوب لن تُقضي أبدا إذ لن يقتدي طبيب واحد في مصر بآخر يقوم مثلا بالكشف علي مرضاه في القطارات ومحطات السكك الحديدية وغيره من نجوم هذا الطب . إنه تشوه متعمد لسمعة الطب والأطباء وينحر ببرود السياحة العلاجية في مصر ومحاولة يائسة لخلق صور تحط من قيمة وقامة الطبيب بينما في الوقت نفسه يشيح هذا الذراع الإعلامي بوجهه ويدير ظهره في خبث عن نماذج مشرفة لأساتذة واستشاريين تقدم خدمة طبية لائقة وعلمية ومجانية تماما لأنها ليست الصورة الشاذة التي يسعي لتصديرها .

تماما كما سمحت الدولة بتكاثر العشوائيات السكنية وعزب الصفيح والسكن داخل أحواش المقابر غضت الطرف عن هذه المستعمرات الطبية العشوائية شديدة الإنتشار لأسباب كثيرة منها حتي لا ُيبس نظامها الصحي بسا فيصبح هباءا منبثا أو لا تنكشف سؤته ورداءة الخدمة الصحية المقدمة حين يتكدس الناس عليه.

في مسرحيته الشهيرة ” تاجر البندقية ” والتي نشرها عام 1605م قال ويليام شكسبير ( ليس كل ما يلمع ذهبا )
وليس كل ما يُلحق بالغلابة وأعمال الخير هو الباقيات الصالحات فكم من الفساد والجرائم قد ارتُكبت تحت هذه الافتة ،وكما تنتشر الجرائم في العشوائيات السكنية تستوطن أيضا العشوائيات الطبية.

أذكر حينما تخرجت قابلت جراحا من نجوم طب الغلابة يتقاضى أتعابا زهيدة في العمليات الجراحية مائة وخمسون جنية مثلا في الزائدة الدودية في ذلك الوقت
وحين تسألت متعجبا بأنها ليست أصلا تكلفة الجراحة ؟
قال لي وبكسب كويس !! إزاي بس يا باشا ؟!
قال بنظرة العارفين هو خيط واحد (كات جت بسبعة جنية ( أردأ أنواع الخيوط الجراحية) تشتغل بيه جوه وبره ) ومش بجيب دكتور تخدير بعقم ضهر العيان وادي له إبرة البنج النصفي بنفسي أمبول ماركين وأحيانا xylocain بتاع البنج الموضوعي عادي واشتغل العملية .
بعدها رأيت مريضا يُعاني من شلل نصفى ذلك لأن الجراح وليس طبيب التخدير هو من قام بإعطائه إبرة البنج النصفي.

تتطابق وتتشابه نماذج جراح الغلابة رغم إختلاف الأماكن والمناطق في مصر والعجيب أن أغلب جرائمه يتم التسامح معاها ولا تعرف للإعلام طريقا ربما لأن الأهالي يظنون أن هؤلاء قوما صالحين يُراعون الغلابة و لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم، فلم أقرأ مثلا عن حوادث عاصرتها مثل موت طفل في عملية إستئصال اللوزتين في مستوصف لا أرضى لأحد أن يُقلم فيه أظافره
ولم أقرأ عن وفاة مريضة في العشرينات في إحدي مراكز الفيوم أثناء القيصرية بسبب إهمال طبيب التخدير وهو طبيب مقيم لم يكتسب ما يكفي من الخبرة وترك المريضة وذهب ليخدر غيرها بمركز طبي مجاور بحجة أنه قال للجراح ( لو عوزتني رنة تلاقيني عندك ) لكنه حين عاد كان مستوي الأكسجين في الدم قد هبط تماما وفشل في تركيب الأنبوبة الحنجرية .

بإختصار أنا ضد تقديم خدمة طبية سيئة جدا بسعر زهيد لأنها قد تكلفك الحياة نفسها فالخدمة الطبية العلمية الصحيحة التي تلتزم بمعايير الجودة ومكافحة العدوي باهظة الثمن ، وقناعتي التامة أن علي الدولة أن تتيح للمريض الخدمة الطبية اللائقة ذات مرجعية الطب المستند للبراهين والمستفيدة من أحدث الوسائل العلمية والتكنولوجية التي صنعت خصيصا من أجل الناس ولتحسين جودة حياتهم سواء في قطاعها الحكومي أو الخاص مع المراقبة الفنية وضبط الأسعار.

ذاكرتي تزدحم بمواقف كثيرة جدا من خطايا طب الغلابة ومن المرات القليلة التي أشعر فعلا بالعجز عن الكتابة ، والأسهل هو اعتبار المقال بلاغ إلي إدارة العلاج الحر في مصر التي يوجد بها أعلي معدل من الأطباء المزيفين ( غير حاصلين علي بكالوريوس الطب والجراحة أصلا ) الذين صدقوا الراحل حسن حسني في فيلم غبي منه فيه حين قال لهاني رمزي البلد مليانه شغل اشتغل مهندس ولا أقولك أفتح لك عيادة!!.

الوسوم

موضوعات ذات صلة »

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق