أهم الأخبارمنتدي الدكاترة

د. ماجد فياض يكتب: هل التفوّق الدراسي في الثانوية العامة شرطٌ لدخول الطب؟

“هل معدل الثانوية شرط لنجاح الطبيب؟ المناهج تختلف… والعقول البشرية قادرة… والطب ليس مستحيلًا.”ثم يأتي آخر ليقول: “أعرف أطباءً ناجحين كانوا في الثانوية أدبي أو صناعي أو زراعي!” ثم درسوا في روسيا ،أو أوكرانيا أو مولدوفا. وثالثٌ يدعو إلى “حرية تعليمية مطلقة” — لا شروط، لا معايير، ولا حد أدنى — كأن الإبداع يولد من فراغ، وكأن الطب مهنة يتعلّمها الإنسان بالهواية ،وحقٌّ طبيعي لا يحتاج إلى غربلة ولا امتحان.

هذه أسئلة ظاهرها الرحمة… وباطنها الفوضى. فالحقيقة أنّ هذه الجُمل — مهما بدت إنسانية أو مشجّعة — هي أكبر خدعة فكرية تُردَّد لتبرير انهيار المعايير، كأن بناء منظومة طبية متماسكة يمكن أن يقوم على الاستثناءات البطولية لا على السياسات العامة.فالنجاحات الفردية ليست منهج دولة… ولا يمكن أن نقيم تعليمًا طبيًا على “فلان أعرفه”فالاستثناء لا يُستنسَخ… ولا يتحوّل يومًا إلى قاعدة. والدول لا تُبنى على الومضة، بل على القانون.

وكما قال أينشتاين: “الأمثلة الفردية قد تلهم… لكنها لا تُصلح فساد نظام.” والطب — على وجه الخصوص — ليس مهنة تُختبر بالإرادة وحدها، بل بمن يستطيع أن يحمل أثقال العلم دون أن ينكسر.

فالطالب المتفوّق عن حق في الثانوية ليس رقمًا على ورق، بل بنية عقلية صلبة، ونَفَس قادر على مطاردة العلم دون كلل، وتحمل ضغط نفسي لا يرحم، والانضباط والعمل تحت سياج صارم ، وإظهار نضج يستبطنه كل امتحان مرَّ عليه.

وهذا ما دعاني إلى البحث العلمي عن شروط واضحة للقبول في كليات الطب في الدول المتقدمة. واطلعتُ على دراسات علمية دولية عديدة تؤكّد أن المعدل/الدرجات مهمٌّ ولكنه ليس حصريًا كمقياس وحيد للنجاح. ولذلك أنظمة القبول الجيدة تستخدم مزيجًا من المقاييس: الأداء الأكاديمي السابق + اختبارات الاستعداد + المقابلات + التقييمات السياقية.

وهناك دراسات إقليمية ( السعودية) منها دراسة بعنوان: “الصلاحية التنبؤية لاختبارات ما قبل القبول في التنبؤ بأداء طلاب الطب”، منشورة في مجلة Advances in Medical Education and Practice – عام 2018، أظهرت توافقًا نسبيًا مع الأدبيات العالمية، وأن الأداء الأكاديمي السابق يتنبأ بالأداء الجامعي. لكن الأدلة المحلية عن مصر أقل وفرة في المجلات العلمية الدولية.

ولمن يلوّح بأن “النظم تختلف حول العالم” — نعم، التفاصيل تختلف… لكن الفكرة الكبرى ثابتة منذ وُجِد العلم: لا طبيب بلا معيار.

انظر إلى خارطة العالم، وأشر بإصبعك إلى أي دولة متقدمة… ستجد الحقيقة ذاتها: الطب ليس رغبةً ولا شغفًا؛ بل اجتياز لسلسلة من الاختبارات القاسية التي تفصل بين الطموح والقدرة.

ألمانيا… حيث المقعد الطبي امتياز لا يُمنَح بسهولة.

الطالب المتفوّق قد ينتظر عامًا أو اثنين ليُقبَل، ويُطلب منه أن يثبت جدارته عبر العمل في التمريض، والتدريب بالمستشفيات، والنشاط التطوعي الطبي، وتحسين ملفه الأكاديمي. الرسالة واضحة كالشمس: أثبت نفسك قبل أن تطرق باب الطب… وإلا فالباب ليس لك.

أمريكا… الطريق الأطول والأصعب. لا دخول لكلية الطب مباشرة بعد الثانوية. بل لا بد من بكالوريوس علمي قوي، وGPA مرتفع، واجتياز MCAT الحديدي، وملف بحثي أو تطوعي، ومقابلات متعددة، وخطابات توصية من أساتذة وأطباء.ولهذا تجد بعض الطلاب الأمريكيين من أصل عربي يعودون للدراسة بالجامعات الخاصة في مصر، لما فيها من سهولة القبول.

إنجلترا وكندا… فلسفة واحدة بوجوه مختلفة.

امتحانات قبول (UCAT/BMAT)، ومقابلات MMI، وتفوّق أكاديمي حقيقي، وPersonal Statement يكشف الوعي والنضج والمسؤولية. النظم تتنوع… لكن الرسالة واحدة: من لا يمتلك الحد الأدنى من الانضباط والمعرفة… لا يمرّ.

بدوري سألت المعترضين إذا لم يكن التفوق الدراسي معيارًا… فما المعايير إذن؟ الرغبة؟ الحكايات الفردية؟ ابن خالتي عملها ؟ نحن لا نريد إعادة اختراع العجلة؛ فالطب — في كل دول العالم المتقدم — باب لا يُفتح إلا لمن كان أهلًا له: تفوق أكاديمي واضح، اختبارات قبول علمية، مقابلات صارمة، ملف شخصي يعكس المسؤولية، خبرة تطوعية أو طبية، وقدرات معرفية مثبتة… لا مُدَّعاة، وكما قال ابن المقفّع “من لم يُقدِّم لنفسه خيرًا في أوّله، لم يُسرع إليه الخير في آخره

فغياب المعايير ليس حرية تعليمية… بل فوضى متنكرة.والفوضى في الطب لا تلد إلا أمرين: طبيبًا غير مؤهل… ومريضًا غير آمن.

أما في خصوصية الحالة المصرية، فإني أرى أن التعليم في مصر أمن قومي اجتماعي، لإنه ليس مجرد طريق إلى الشهادة، بل هو أشرف وسائل الارتقاء الاجتماعي، وسُلّمٌ مشروعٌ ينتشل أبناء البسطاء من ضيق الحياة إلى رحابة الفرص. وحين يغيب تكافؤ الفرص، تختلّ موازين العدالة، ويتولّد في الصدور احتقانٌ اجتماعي لا تخطئه العين؛ احتقان يعرفه كل من رأى أحلامه تُداس لأن بابًا فُتح لغيره وأُغلق في وجهه.

ولهذا أدعو الدولة — بصوت واضح لا يحتمل التأويل — إلى إنشاء لجنة وطنية عليا تتولّى إصلاح سياسات التعليم في مجملها، ومراجعة التعليم الطبي في الجامعات الخاصة على وجه الخصوص؛ لجنة تمتلك سلطة الرقابة والتقييم والتقويم، وتعيد المعايير إلى مكانها الطبيعي كما أطالب بنظام تنسيق موحّد للجامعات الخاصة، يبدأ مباشرة بعد إعلان التنسيق الحكومي، ويتدرّج بمراحل واضحة، تسانده معايير قبول شفافة وعلنية وعادلة ، حتى لا يُقال إن طريق الطب معبّدٌ للبعض ومسدودٌ في وجه آخرين.

ورغم كل ما في نظام الثانوية العامة من عيوب، يبقى — شاء من شاء — بوابة أولى تمتحن القدرة على الصمود قبل أن يبدأ الطريق الحقيقي. وأسأل الله أن تكون أداة عادلة لتكافؤ الفرص والارتقاء الاجتماعي بعيدًا عن أي نوع من أدوات الغش.

وبحثت في طبيعة التعليم كوسيلة للارتقاء الاجتماعي، فوجدت دراسات عالمية عن دول عديدة تؤكّد أن التحصيل التعليمي هو “دافع رئيسي” للتمكين الاقتصادي والاجتماعي، خصوصًا للفئات المهمشة أو ذات الفرص المحدودة. وتُثبت أن التعليم لا ينقل الفرد فقط على سُلّم المعرفة، بل يفتح له أبوابًا اقتصادية واجتماعية.

وهناك بحث يقارن سياسات إصلاح التعليم في دول مختلفة (مثل فنلندا، الولايات المتحدة، البرازيل، وكوريا) ليرصد إلى أي مدى ساعدت هذه السياسات في تخفيف الفوارق الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي تعزيز الحراك الاجتماعي. ويشدد على أن جودة التعليم وتوزيع الفرص أهم من مجرد زيادة أعداد الطلبة.

ولهذا تتبنّى دول عديدة سياسات الإصلاح التعليمي — تحسين التمويل، المساواة في الفرص، التركيز على التعليم العالي — لأنها مرتبطة بتقليص فجوات الدخل والفوارق الطبقية

أما في مصر

فقد كشفت دراسة “الحراك الاجتماعي والتعليم: الحالة المصرية” المنشورة في International Journal of Social Sciences and Education Research عن صورة مُضيئة لحركة المجتمع المصري ؛ إذ تشير نتائجها إلى تضاؤل الفجوة التعليمية بين الأجيال في مصر، وارتفاع الحراك التعليمي بين الأبناء مقارنة بآبائهم، مع ميلٍ خفيف لصالح الفتيات. وتقدّم الدراسة التعليم بوصفه السلم الأكثر ثباتًا الذي يصعد به الشباب نحو أفقٍ أوسع وفرصٍ تتجاوز حدود الطبقة والنشأة. وهذا يعني أن التعليم في مصر ما يزال أحد أهم السلالم التي يرتقي بها الشباب نحو مستقبل أفضل ويكسرون به حدود الطبقة الاجتماعية التي وُلدوا فيها.

ولهذا فإن انهيار المعايير، وانتشار الغش، وتراجع جودة التعليم لا يجرح سمعة المهنة فحسب، بل يضرب في صميم الحراك الاجتماعي ذاته.

وأقول هذا وأنا أحمل في وجهي ملامح الريف الذي جئت منه، وأعرف يقينًا ماذا يصنع التعليم حين يُفتح بإنصاف. فلستُ سوى واحد من أبناء القرى الذين حملهم العلم من العتبات الطينية إلى قاعات الجراحة. وما أنا إلا شاهد على أن التعليم كان ولا يزال أقوى أبواب الارتقاء الاجتماعي في مصر.

فليس “امتلاك شهادة” هو المهم، بل جودة التعليم، وتوزيع الفرص، وعدالة الوصول — فالتعليم بلا إنصاف قد يعيد إنتاج التفاوت بدل أن يقلله.

وفي النهاية أقول لمن يريد نسف المعايير وإلغاء قواعد القبول:

إن لم تكن قادرًا على صعود السلم الأول… فلا تطلب مفتاح السقف.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى