أهم الأخبارمنتدي الدكاترة

د. ماجد فياض يكتب: هل كتابة اليوميات للطبيب ممنوعة؟

منذ أن خطوتُ عتبة الجامعة، وجدتني ممزقًا بين عالمين متنافرين: ندوات دينية تُحاصر الشعر والأدب وتجرّمه كأنه بذرة شطط تُلهي عن طريق الله، وصالونات أدبية ترى الخيال أرحب من أن يُحبس في قفص الحلال والحرام.

وفي سنتي الرابعة بكلية طب عين شمس، كنت أعيش هذا الانقسام بكل حدّته. أدخل مسجد العزيز بالله في حلمية الزيتون متخففًا من صخب الدنيا، ثم أخرج لأجلس مع أدباء ضاقوا بالتشدد… وضاق بعضهم بالدين نفسه. يومها نصحني صديقان سلفيان أن أهجر الروايات باعتبارها “كتب مجانين وملاحدة”، وحين سألوني عن فائدتها، قلت ببساطة: الأدب يهذّب الوجدان قبل أن يصنع الوعي، ويرقّق القلب قبل أن يدرّب العقل.

وفي الضفة الأخرى لهذا الصراع، كنت أتابع بشغف تجربة الكاتب محمد إحسان عبد القدوس في مشروعه لـ “أسلمة الأدب”، وكيف حاول، عبر مجموعاته القصصية مثل “سيدنا الشيخ في المقهى”، أن يشق لنفسه طريقًا مغايرًا لمسار والده الروائي الكبير إحسان عبد القدوس الذي اتهم يومًا بالإلحاد والانحلال لأنه كتب عن الحب خارج الحدود التي ارتاح لها المجتمع.

لكنني، وسط هذا الجدل القديم، أدركت مبكرًا أن الكتابة الطبية الأدبية تواجه تحديًا آخر مختلفًا تمامًا عن سؤال: هل الفن للفن أم للمجتمع؟ وهل يُوزن الأدب بميزان الدين؟ ففي الوجدان الاجتماعي، الطبيب هو الحارس على أكثر مناطقهم هشاشة. ولهذا، ما إن يكتب طبيب يومياته، أو يروي قصة من العيادة، حتى يتملك البعض خوف غامض: هل هذه الحكاية عني؟ أو عن قريب أعرفه؟ أو عن مريض مرّ من هنا قبل أسبوع؟

هذا الحاجز النفسي يجعل الكتابة الطبية تُواجَه، قبل أي نقد علمي، بمقاومة اجتماعية وسلوك دفاعي لا يعترف بسهولة بحق الطبيب في الحكي، حتى لو كان الحكي منزوعًا من الأسماء ومشحونًا بالرحمة. إنه خوف إنساني مفهوم، لا يستند غالبًا إلى منطق، لكنه يستند إلى شعور المريض بأنه قد يتحول، دون قصد، إلى مادة أدبية أو ظل على صفحة، أو إلى سطر في يوميات طبيب، حتى لو لم يكن ذلك واقعيًا، وتظل مجرد مخاوف نفسية لا اعتراضًا منطقيًا.

أما عندما يكتب غير الأطباء مثل الكاتب الكبير توفيق الحكيم “يوميات نائب في الأرياف”، لم يسأله أحد: هل هذا ضد المبادئ المهنية؟

لكن السؤال الحقيقي أعمق من مجرد انطباع عابر: هل كتابة يوميات طبيب فعلًا ممنوعة؟ أم أنها جزء من تاريخ الطب نفسه؟

وبعيدًا عن عالمنا العربي، لم يتردد مئات الأطباء عبر التاريخ في كتابة يومياتهم، دون أن يجرؤ أحد على اتهامهم بانتهاك الخصوصية. في مقدمة هؤلاء جاء أوليفر ساكس، الطبيب البريطاني الأميركي، الذي هزّ وجدان العالم بكتبه Awakenings و The Man Who Mistook His Wife for a Hat.
كل قصصه كانت حقيقية، ومع ذلك لم يتعرض لعتاب أخلاقي واحد، لأنه كان ينزع عن المريض اسمه وملامحه، ويحوّله إلى حقيقة إنسانية صافية لا يمكن التعرف عليها، لكن يمكن التماهي معها.

ثم يأتي ريتشارد سيلزر، الجرّاح الأميركي، الذي كتب كما لو أنه يشرّح الحياة نفسها. تُدرّس قصصه في كليات الطب لأنها تكشف ما يعجز العلم البارد عن شرحه، وتمنح الجروح صوتًا لم يكن مسموعًا في غرف العمليات.

ويبرز أتول جاواندي، الجرّاح الأميركي من أصول هندية، الذي قدّم بكتبه Complications و Being Mortal مدرسة جديدة في التأمل الطبي؛ مدرسة ترى الإنسان أولًا والمرض لاحقًا.

هؤلاء جميعًا لم يكتبوا طبًا، بل كتبوا الإنسان تحت ضوء الطب. وهذا هو جوهر الأدب الطبي الحقيقي: أن تكتب لتضيء، لا لتفضح، وأن تحكي لتداوي، لا لتكشف الأسرار.

لماذا يخاف بعض الناس من أدب الطبيب؟ السؤال يبدو بسيطًا، لكنه يحمل طبقات من القلق الإنساني. فالمريض، حين يدخل عيادة الطبيب، لا يقدم معلومات عابرة؛ بل يسلّم جزءًا من نفسه. يكشف جسده وألمه وخوفه وأسراره، ولهذا يصبح الطبيب، حين يكتب، محمّلًا بعبء مضاعف. ليس لأن الكتابة محظورة أخلاقيًا، بل لأن ثقة المريض يجب أن تبقى مطلقة وغير قابلة للشك.

ولأجل هذه الحساسية، وضعت الهيئات الدولية مثل GMC البريطانية وHIPAA الأميركية قواعد واضحة، لا لمنع الكتابة، بل لتنظيمها وحمايتها من الانزلاق.

تسمح GMC بسرد الحالات الطبية لأغراض التعليم والبحث والكتابة المهنية والأدب الإنساني، ولكن بشرط نزع أي معلومة قد تعرّف بالمريض بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الالتزام بنبرة إنسانية تحترم كرامة المريض، يمكنك السخرية من الفكرة أو المفارقة… لكن السخرية من الشخص نفسه خط أحمر.

. أما HIPAA فتلزم الطبيب بحذف ثمانية عشر نوعًا من البيانات التعريفية قبل نشر أي قصة أو يوميات.

وعلى المستوى الشخصي، طالما سألت نفسي: كيف لشخص سريع الانفعال مثلي أن يتحول أمام مرضاه إلى نهر من الصبر والاحتواء؟ أهو أثر جذور اجتماعية بسيطة تعرف معنى الألم؟ أم ظل من الدين يذكّرني بمكارم الأخلاق؟ أتذكر الزملاء السلفيين القدامى وأبتسم، فأجدني أعود إلى ذلك الطفل الذي كان يبكي مع أبطال الروايات، ويتألم لمصائرهم كأنها مصائره هو.

وحين بحثت عن دراسات علمية تدرس علاقة الأدب بالطب، لم تكن دهشتي قليلة. فبحسب أبحاث منشورة في BMJ وJAMA وAcademic Medicine، وجد أن الأطباء الذين يمارسون الكتابة التأملية ويقرؤون ويراجعون أنفسهم، يملكون قدرة أعلى على التعاطف الحقيقي مع المريض، ذلك التعاطف الذي لا يُدرّس في المحاضرات بل يُصنع في زوايا الروح. كما أكدت الدراسات أن الكتابة تحسن العلاقة بين الطبيب والمريض، وأنها ليست رفاهية، بل درع ضد الاحتراق النفسي، ونافذة يطل منها الطبيب على ذاته كلما أثقلته ضغوط المهنة.

أما من الناحية الأخلاقية، فقد كانت الخلاصة واضحة ومباشرة: ما دام المريض مجهّلًا تمامًا، فكتابة اليوميات ليست جريمة ولا تجاوزًا، بل وسيلة نبيلة لفهم الإنسان، ذلك الكائن الذي نقضي حياتنا نحاول إنقاذه.

وهكذا وجدتني أقترب من الحقيقة: أن الكتابة، في جوهرها، ليست فعلًا متمردًا، بل امتدادًا للطب وامتدادًا للرحمة.

هل يمكن للطبيب العربي أن يكتب يومياته اليوم؟ الجواب ليس مجرد نعم، بل هو واجب. واجب لأن المجتمع يحتاج أن يرى الطبيب كما هو حقًا، لا بطلًا خارقًا ولا آلة تشخيص باردة، بل إنسانًا له قلب ينبض ومشاعر تتأرجح بين الدهشة والحيرة والضحك والبكاء، وبين الأيام الثقيلة والانتصارات الصغيرة. إنسانًا يتردد ويبكي ويصمت، وهنا تكمن قيمة اليوميات: كشف الإنسان خلف المعطف الأبيض، تمامًا كما صوّره الأدب العالمي.

وهو واجب أيضًا لأن الكتابة تبني جسرًا من الوعي بين الطبيب والمجتمع، جسرًا يحترم المريض ويضحك على الموقف لا على الشخص، ويعلّم ما لا تُدرّسه المحاضرات: الإنسانية في أبسط صورها.

وأرجو من القرّاء الأعزّاء ألا ينسوا روح الحكاية، ولا يحاكموا نصًا أدبيًا بقوانين التقارير الطبية. فالأدب يعيش بالتخييل والمجاز، وبما تمنحه المبالغة الفنية من حياة لا تُقاس بالسطر، بل بالشعور.

نعم، يحق للطبيب أن يكتب، وأن تبقى للمريض كرامته محفوظة وللقارئ أن يبتسم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى