أهم الأخباراخترنا لكمجتمع الأطباء

د. ماجد فياض يكتب: من ينقذ الطب من فوضى الشاشات وضجيج الميكروفونات؟

في جلساتٍ كثيرة جمعتني بزملاء المهنة، كنت أعود مرارًا إلى فكرة تبدو للبعض قاسية، لكنها في جوهرها عادلة: أن يُعاد تنظيم الظهور الطبي أمام الجمهور، وأن تُراجع اللوائح النقابية، بل ويُفكَّر في إطار قانوني يردع كل من يتجاوز القواعد العلمية أو يتحدث باسم الطب خارج حدوده المنهجية. لم يكن ذلك تشددًا، بل إيمانًا بأن ما يُقال للناس عن صحتهم ليس رأيًا عابرًا، بل مسؤولية قد تُبنى عليها حياة أو تُهدم بها طمأنينة. فالمسألة في جوهرها ليست صراعًا على مساحة ظهور، بل حق أصيل للمجتمع في أن يتلقى معلومة طبية صحيحة، نقية من المبالغة، ومحصنة من الجهل والتسويق والارتجال.

وكان الرد يتكرر في كل مرة بصيغة أقرب إلى الاعتراض منها إلى النقاش: كيف نلتفت إلى هذا الملف بينما تتراكم فوق كاهل الطب في مصر ملفات أثقل؛ رواتب متدنية، هجرة الأطباء، نقص الإمكانيات، ضغط العمل، التعدي على الممارسين الصحيين، مجتمع متحفز أحيانًا ضد الطبيب، وسلسلة طويلة من التحديات اليومية التي لا تنتهي. وكأن الدعوة إلى ضبط الخطاب العلمي في الفضاء العام هي انصراف عن القضايا الكبرى، لا امتداد طبيعي لها، رغم أن جوهر المهنة واحد لا يتجزأ: حماية المريض، سواء داخل غرفة الطوارئ أو أمام شاشة يتلقى منها معلومة قد تغيّر قراره الصحي بالكامل.

منذ سنوات، عندما قدمت إلى المملكة العربية السعودية، شاهدت بنفسي كيف تُراقَب المحتويات الصحية والإعلانات الطبية، ولا يُسمح بها إلا عبر تصاريح رسمية سنوية برسوم محددة ورقم ترخيص معلن. وهو نموذج لتنظيم الخطاب الطبي وحماية المجتمع وصون هيبة المهنة.

إن تنظيم الظهور الإعلامي للأطباء لا ينبغي أن يُفهم كقيد على حرية التعبير، بل كحماية لحق المريض في معلومة صحيحة وآمنة. ويبقى نجاح هذه الخطوة مرهونًا بتطبيق عادل وحازم، يتدرج من التنبيه إلى العقوبات التأديبية التي قد تصل إلى الشطب في المخالفات الجسيمة، خاصة عند تعمد نشر معلومات طبية خاطئة تضر المرضى أو تضلل الرأي العام.
وهذا ليس أمرًا مستحدثًا، بل نهج معمول به في دول عديدة. ففي المملكة المتحدة يملك المجلس الطبي العام (GMC) صلاحية التحقيق مع الأطباء إذا قدموا معلومات مضللة أو أخلّوا بثقة المجتمع في المهنة، وقد تصل العقوبات إلى تعليق الترخيص أو الشطب من السجل المهني. وفي الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك المجالس الطبية في كل ولاية سلطات تأديبية لمعاقبة الأطباء عند نشر ادعاءات علاجية كاذبة أو ممارسة دعاية خادعة، خاصة إذا ترتب على ذلك ضرر للمرضى. وفي كندا تتدخل الهيئات المنظمة للمهنة على مستوى المقاطعات ضد الأطباء الذين يروجون لمعلومات غير قائمة على الدليل العلمي، مع إمكانية فرض قيود مهنية أو الإيقاف عن العمل. أما في أستراليا فتتولى هيئة تنظيم الممارسين الصحيين (AHPRA) مراقبة الإعلانات والتصريحات الطبية، وتمنع الادعاءات المضللة أو المبالغ فيها، ولها صلاحيات تأديبية واضحة. فالمجتمعات التي تحترم المهنة لا تعادي ظهور الطبيب في الإعلام، بل تعادي الطبيب الذي يستغل ثقة الناس لنشر الجهل أو الوهم أو الدعاية المقنّعة، ولا تمنع الطبيب من الكلام، لكنها تمنع تحويل الطب إلى منصة للجهل أو التضليل أو الدعاية المقنّعة.

ظهرت في الآونة الأخيرة في مصر أزمة متصاعدة تتمثل في الفوضى الطبية داخل الفضاء الإعلامي، فقد أصبح بعض من يتصدرون المشهد الصحي على الشاشات والمنصات الرقمية يوزعون النصائح كما تُوزع المنشورات من أجل الإثارة والتريند، ويقدمون الآراء الشخصية المغلوطة في ثوب الحقائق العلمية، ويخلطون بين المعرفة والدعاية، وبين التوعية وخدمة المريض وصناعة الشهرة.
والأخطر من ذلك أن بعض هذه الخطابات حرض على العبث المباشر بصحة الناس، بدعوة مرضى الأمراض المزمنة والخطيرة، بما في ذلك أمراض المناعة والسرطان، إلى إيقاف العلاج، والتشكيك في البروتوكولات العلاجية، واستبدالها بأنظمة غذائية وخطابات غير علمية، مدفوعة بنظريات مؤامرة ضد الأطباء وشركات الدواء.
إن هذا النمط من الخطاب لا يقتصر ضرره على فرد أو حالة، بل يمتد ليصيب الثقة العامة في المؤسسات الصحية، ويُربك العلاقة بين المريض ونظامه العلاجي، ويهدد الاستقرار الصحي للمجتمع. فالمسألة لم تعد مجرد رأي يُقال على شاشة، بل أصبحت مسؤولية تمس أمن المجتمع الصحي، وتستوجب ضبطًا صارمًا يميّز بين حرية التعبير وبين الإضرار المباشر بحياة الناس.
من هنا تأتي أهمية خطوة دعوة المؤسسات المعنية ونقابة الأطباء إلى مناقشة تنظيم الظهور الإعلامي للأطباء، وهي خطوة تستحق التقدير لأنها تعكس إدراكًا متأخرًا لكنه ضروري، بأن الكلمة الطبية لم تعد محصورة داخل العيادة، بل أصبحت تُقال أمام جمهور واسع قد يتأثر بها بشكل يفوق أثر القرار العلاجي نفسه.
وفي المقابل، على الإعلام ألا يكتفي بالمسمى الوظيفي أو اللقب المهني، بل يجب أن يرتقي إلى مستوى أدق من التحقق، يقوم على التأكد من الهوية المهنية عبر المستندات الرسمية المعتمدة، وفي مقدمتها كارنيه النقابة. فالمسألة لم تعد مجرد دقة في التعريف، بل ضرورة لحماية الجمهور من تضخيم الألقاب، أو الادعاءات غير المنضبطة، أو ظهور أشخاص بصفات طبية لا تستند إلى أساس مهني حقيقي، خاصة في ظل وقائع سابقة تم فيها تقديم “أطباء مزيفين” عبر الإعلام لفترات طويلة.

إن حرية الطبيب في التعبير قيمة أساسية لا جدال فيها، لكنها لا تعلو على حق المريض في تلقي معلومة صحيحة وآمنة، لا مساحة فيها للانطباعات، ولا ميدانًا للمبالغات، ولا منصة للوصفات السحرية، بل علم يقوم على الدليل والانضباط والأمانة. والطبيب حين يتحدث إلى الجمهور لا يعبر عن نفسه فقط، بل يحمل على كتفيه ثقل مهنة تأسست على المنهج العلمي قبل أي شيء آخر.
ومن ثم فإن تنظيم الظهور الإعلامي لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تقييدًا للحريات، بل باعتباره ضرورة لحماية المجتمع من الفوضى الصحية.

المطلوب ليس إسكات الأطباء، بل إعادة ترتيب المشهد؛ بحيث يتصدر من يملكون العلم والخبرة الموثقة، ويُحاسب من يتعمد التضليل أو يعبث بثقة الناس. إن الطبيب الذي يضلل الناس أخطر من الجاهل، لأن الجاهل يُتجنب، أما الطبيب فيُصدَّق. وحين تتحول الشاشة إلى مساحة بلا ضوابط علمية، يصبح الصمت نوعًا من التواطؤ.

أنقذوا ما تبقى من هيبة المهنة. فمصر لا تحتاج مزيدًا من الضجيج الطبي، بل تحتاج صوت العلم حين يتكلم بميزان، لا بصوت عالٍ.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى