أهم الأخبارمنتدي الدكاترة

د. أحمد حسين يكتب: الراعى وموسى والوشاية بالأطباء

سأل أحدهم الراعي الفقير عن السبب الذى وشى لأجله عن رجل قضى حياته في الدفاع عنه ومثله، فأوزع الراعي السبب لكون حروب الرجل مع الجنود تُزعج أنغامه.. قصة أقرب للرمزية فبرغم ورودها في بعض الكتابات إلا أنه لا يوجد دليل على صحتها، من بعض ما كُتب عن القبض على اتشي جيفارا الطبيب والزعيم الكوبي الذي قُبض عليه في بوليفيا.. لكن لم تستطرد الكتابات لتروي مصير الراعي وأغنامه بعد رحيل جيفارا وبقاء الجنود.

في فيلم”الهروب” للمبدع أحمد زكي،جعل الكاتب و السيناريست مصطفى محرم من “منتصر”و أخباره المُتَّكأ الذي تستريح به الحكومة من المطالبات بالقيام بواجباتها،أو “الشماعة” التي تعلق عليها الحكومة فشلها في كبح الفساد.. قُتل الشاب الصعيدي”منتصر” في نهاية الفيلم بأيدي الحكومة نفسها،و لكن تبعتها أحداث مستمرة ما زالت الأفلام تحكيها، خلقت العديد من “الشماعات”.

“الدكاترة نايمة و مفيش اهتمام و لا عناية”..كاميرا على مسئوليتي ترصد أزمة انقطاع الأكسجين بمستشفى زفتى، تلك الكلمات نصاً هي عنوان الفقرة المسجلة و المذاعة ضمن برنامج”على مسئوليتي” بقناة صدى البلد،البرنامج الذي يقدمه “أحمد موسى”.. إن كنت مثلي لست من متابعي موسى أو لا يصبر كثيرًا على المشاهدة و الاستماع إلى ما لا يهتم به، فعاود قراءة العنوان و ما سيترجمه عقلك و تحمله مشاعرك على إثره،في الأغلب إن لم يكن المؤكد أنك ستحذف النسبة المتبقية في ذهنك عن إنسانية مهنة الطب أو آدمية الأطباء،و ستقرر أنهم أعتى المجرمين يستحقون الإعدام عدة مرات بطرق مختلفة.

https://www.facebook.com/watch/?v=123184312885766 ،هذا رابط الفيديو، حاول أخي القارىء أن تشاهده لكي تحكم على محاولة تحري الحيادية في روايتي لأحداثه.. لقاء لمراسل القناة خارج مستشفى زفتى العام بمحافظة الغربية مع بعض المواطنين، أحدهم شقيق مريض يسرد ” أمس كل الحالات كانت كويسة و عربة الأكسجين اتاخرت أكثر من 3 ساعات، الناس المسوؤلة عن ضخ الأكسجين من السيارة إلى وصلات الأكسجين قفل المحبس، المفروض يضخ على الأنابيب الأول، بالتالي الأكسجين قطع فوق 5 دقائق، فدخلنا لقينا الممرضين بيصوتوا والدكاترة بتجري، دخلت لقيت أخويا مخنوق و مرجع من بقه و مسورق بعد ما كان عدى الخطر خلاص”.

ويرد أخر على سؤال المراسل له عن انضباط المستشفى”يعني بنسبة 50% مش أكثر من كده،ممكن يوم علاج و يوم مفيش، قبل كده كنا بنجيب العلاج على حسابنا،بعد كده العلاج من عندهم طلع لجنة وعملوا مشكلة وجه العلاج من عندهم”.

ورجل مُسن يروي أن له أربعة أبناء مصابين بكورونا و يضيف”يصح أن مستشفى زي دي ميكونش فيها اكسجين،السيارة متكونش موجودة،و بعد ما جت السيارة بعد فترة و حصلت مضاعفات للحالات دي،جت السيارة و انقطع الأكسجين.. أما أخش الإستقبال هنا و ملقيش دكتور من قبل الفجر للساعة 11، وبعد كده يطلع معايا الساعة 11 ونص يقولك عاوزين اشعة مقطعية عليه، يركبوا انبوبة دقيقتين وتخلص”.

مواطن أخر أكثر دقة و تحديدًا يقول”الأسبوع الي فات،يوم الثلاثاء الي فات قطعوه 10 دقائق الساعة 3 بالليل،قطعوه بس 5 دقائق،قمنا نجري كلنا و جرينا عقبال ما نزلنا لهم تحت قاموا مشغلينه، لقيت الممرضين كلهم بيجروا في قلب الطرقة هي و الدكاترة، بلغوا الناس بتموت، قمنا زاقين الباب بتاع العناية ودخلنا نجري، لقيت والدتي اكسجينها نزل 37، واحنا واقفين كسرنا الشباك لقينا الخزان لسه العربية بتفضي الأكسجين”، ويستغرب مواطن أخر من وجود مرافقين لمرضى كورونا في المستشفى، وشاب يشرح السبب بأن موظف أغلق محبس الأكسجين أثناء تفريغ السيارة لعبوتها في التنك مما أدى إلى قطع الأكسجين عن المرضى لمدة 5 أو 10 دقائق، ويؤكد أن ذلك أدى إلى وفاة حالتين وباقي الحالات تم إسعافها بواسطة الدكاترة و طاقم التمريض.

أما المواطن ملهم البرنامج بعنوان الفقرة فيقول “الدكاترة تبقى نايمة في قلب الأوضة بتاعتها متشوففهاش و التمريض نفس النظام، إحنا كنا بنخش للحالات نلاقي الكانيولا متشالة والدم نازل، الماسك بتاع الأكسجين كانوا بيشدوه و يسيبوا الأكسجين نازل-يقصد المرضى-،و الله العظيم و لا إهتمام و لا عناية و لا رعاية”..بعدها بأيام قليلة حدثت واقعة مستشفى “الحسينية بالشرقية”.

فشلت محاولاتي القليلة في استبيان حقيقة الواقعتين، فليس الأهم الفصل بين ما تتناقله وسائل التواصل الإجتماعي وبين تصريحات مسوؤلي وزارة الصحة..نقص الأكسجين و معاناة المستشفيات الحكومية في توفيره أمر عايشته في بعضها و قد يكون واقع لكثير منها، وانقطاع الأكسجين أمرٌ غير مستحيل فقد حدث في يوليو 2019 تعطل مولد الأكسجين بمستشفى سوهاج العام، و\سرعة تحرك المسؤولين تسبقها توفيق الله أنقذت ثمانية مرضى على أجهزة تنفس صناعي بتحويلهم إلى مستشفى حكومي ومستشفيات خاصة.

الأمر المستبعد إلى درجة الإستحالة هو أن يقوم أحدهم عمدًا بقطع الأكسجين كما أشارت كلمات بعض المواطنين في فيديو”موسى”، من الغير منطقي ألا يجد مواطن طبيبًا في إستقبال مستشفى لمدة تزيد عن 6 ساعات-حسب قوله- في يوم عمل تتواجد فيه إدارة المستشفى وفي ظل أزمة و جائحة تزيد الأعباء على الإستقبال والطواريء عن طبيعته، من المهين لبرنامج إعلامي ومقدمه أن يتناول فيديو تضاد أقوال بين غياب ونوم أطباء وتمريض وأخرى عن هروتلهم في الطرقات وصياحهم، دون أن يلفت ذلك إنتباه المراسل فيستوضحهم، توفير المستلزمات والعلاج ليس مسوؤلية الفريق الطبي وإنما مسوؤلية الحكومة (عبارة تكررت آلاف المرات)، أي مواطن مطلع و بالأحرى الإعلامي الذي يعد مادة متخصصة يعلم أن جميع الأنظم الصحية في العالم يُحظر على الفريق الطبي التواجد بالقرب من مريض كوفيد سوى عند الضرورة، هذا لتقليل إحتمالية إصابة الفريق الطبي الأكثر عرضة للفيروس من المرضى المختلفين، القنوات الفضائية لم تسأل وزارة الصحة عن عدد أطقم الفريق الطبي الذي توفى و أُصيب بكورونا وعن سبب عدم إعلانها..هل لاحظت أن مراسل البرنامج لم يحاول دخول المستشفى و حوار الأطباء و التمريض!

لا أكتب بصفتي طبيب،أنا أفجع كبشري يخشى على ذويه من عدو الحصن له هم المستشفى، وجيفارا المتصدر له هو الفريق الطبي، أخشى أن يقتل الجاهل جيفارا قبل أن ينتصر على كورونا فيتسبب في قتل أسرتي و قتله..و لا بد أن تخشى الحكومة مقتل “منتصر” هذه المعركة، فإن قتل لن تجد بعده في هذا الميدان “شماعة” أخرى.

لا أطلب الذكاء في التعامل، بل المطلوب التفاني في الإنتهازية عند التعامل مع جائحة كورونا.. أتمنى أن يتناول الإعلام بتعمق أسباب الأزمة وأن تتكامل أجهزة الدولة المختلفة و المجتمع المدني لحلها، الرقابة و المتابعة و لو وصلت إلى تولي الحكومة إدارة مصانع توليد الأكسجين لضمان إلتزام توريدها للمستشفيات الحكومية والخاصة والمواطنين المحتاجين في المنازل، وتجريم وإنزال عقوبة فورية رادعة لمن يتاجر بالسوق السوداء في مستلزمات كورونا،التوعية الجادة للمواطنين عن أخطار التجمعات و عدم إرتداء الكمامات.. أرجو ألا نحاول قتل جيفارا و لو لحين ضمان الحياة.

موضوعات ذات صلة »

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى