أهم الأخبارغير مصنفمنتدي الدكاترة

د. أحمد حسين يكتب: رسالة من ماضِ .. كورونا فرقّتنا فاحذروها

بعد أن كانت تحيته تلويحًا بالأيدي من بعيد،عادت عناقًا و قبلاتً من جديد، وبعد أن كان تواصله بأهله عبارة عن حديث ودود من أسفل البيوت، صارت تلاحمًا بالساعات في عقر تلك البيوت، نظرات الترقب والحذر في وسائل المواصلات والميادين حلّت بدلًا منها اللامبالاة، الأحاديث المتبادلة بين القرناء انحرفت في أولوياتها من محدثات العدو وأساليب الوقاية منه إلى تبادل المناقشة سجالًا بين المنافسة المحتدمة على المركز الثاني بدوري كرة القدم، وبين سيدة القطار ومثيلتها في المحكمة، تسمع تلك المناقشات حول طاولة المقاهي وبين ردهات دواوين العمل، تتخللها الفكاهات والمشادات بينما لا تعوق الأفواه أية حواجز.

شهور قليلة فصلت بين تلك التصرفات وهذه لنفس المواطن المصري، هي نفسها الشهور التي انقضت بين إعلان الحكومة المصرية الحرب وتسخير إعلامها لشحذ همم و تنبيه مواطنيها و إتخاذ إجراءات وقائية ضد العدو المباغت، وبين فض أو تقليص تلك الإجراءات و تراجع أخبار الحرب إلى المراتب الدنيا في إهتمام وسائل الإعلام .. الحرب على فيروس كورونا، كما أسموها.

لم أكتب إليك لأهاجم أو حتى أنتقد سلوك مواطن أو إجراءات حكومة، ولكن خوفًا من أن تتكرر للأخرين أحزان ما زالت تسكن نفوس أصحابها، قررت أن أكتب إليك تجارب عايشتها لم أكن أنتوي مشاركة غيري لها، فإن رأيت فيها ثمة فائدة فإنشرها علّها تكون صافرة تُعيد الحذر و اليقظة إلى النفوس.

استطلاع للعدو المجهول

في أوج إنتشار الجائحة و ارتفاع الأعداد المصابة، وبين هلع المجتمع المصري و إنكار البعض منه، قررت أن أسعى للعمل في “كورونا”، وبرغم أني طبيب إلا أني لم أشترط عند ابداء رغبتي في التطوع أن ينحصر عملي في مهمات الطبيب، وواتتني الفرصة في منتصف شهر رمضان الماضي بالعمل كطبيب في إحدى المستشفيات المغلقة على مرضى”كوفيد 19″، لم أكن لأدخر بذلك رواية لتسجيل بطولة أو ابداء شجاعة أو حتى سردها للمقربين مني .. كل ما في الأمر أني رافض لأن تُنتهك العلاقات الإنسانية في الدنيا، فيكفي أن نحتاط لفاجعة فر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه في الأخرة.

فريق طبي لا يخلو من الفزع

فيروس مستجد لم تعرفه البشرية من قبل، صنفته منظمة الصحة العالمية جائحة، أعراض مختلفة يتم اكتشافها كل يوم، لا توجد أدوية، معلومات اليوم تنفي و بعضها يناقض الأمس ..كل تلك وغيرها من الأسباب لم تجعل الفريق الطبي في منأى عن حالة الهلع و الرعب، وحديثه المتواصل الذي لا يقطعه غير النوم وتناول الطعام يكون عن المرضى وتطور حالتهم وأسباب وفاة بعضهم رغم أن مؤشرات حالتهم لم تكن توحي بذلك، وجزء ليس بقليل من هذا الحديث كان عن الواقيات من مطهرات و زي واقي وكيفية الإستخدام وضرورة الحرص ليس فقط منهم بل أيضًا العاملين من غير الفريق الطبي ..كل هذا جعل الإصابات لفوجين من الفرق الطبية عاصرتهم في تلك المستشفى وعددهم 70 طبيب وممرض تقريبًا كانت طبيب واحد فقط و ثلاثة من هيئة التمريض.

ضحية لعمل زوجها و أولادها

“أنا يا دكتور الحمد لله عملولي المسحة الأخيرة لسه ايجابي، وولادي الاثنين برده مصابين بس محجوزين في المدينة الجامعية، لكن الحاجة مراتي محجوزة هنا في المستشفى في العناية المركزة، أنا و عيالي بنشتغل في نفس المحل مش عارف مين اللى عدى التاني ومش عارف مين اللى عدى مراتي، هي ملهاش ذنب”، كانت هذه من كلمات صاحب محل العطارة في حواري معه بغرفته بالمستشفى.. بعدها بقرابة الشهر اتصلت ب”العطار”ليخبرني بتعافيه وولديه و عودتهم للعمل بالمحل، بعد وفاة الزوجة.

عيب العب بالموبيل

وسط عنبر يكتظ بأكثر من عشرين مريض ومريضة، اسمع نواحًا مكتومًا أتلصص صداه لأجده لأمراة أربعينية تسند جبهتها براحة أحد كفيها و الأخرى تجفف دمعها برداء رأسها، ربما كانت تتمنى أن تكون بمفردها حتى تعّبر عن حزنها صراخًا، بجواره يجلس طفلٌ يمسك بيده هاتف محمول ينظر إليه، لا يصعب عليك أن تتبين أن الهاتف مغلق و نظرات الطفل زائغة بينه وبين أمه،”عيب العب بالموبيل وستي ميتة” .. بهذه الكلمات المقتضبة أجابني الطفل ذو الثمانِ سنوات على سؤالي عما أثناه عن اللعب بالموبيل أم لا يعرف بالعاب الهاتف..علمت من أم الطفل المنتحبة أنها أُخبرت لتوها بوفاة والدتها و يتضاعف حزنها لأنها لا تستطيع وداع والدتها، وكيف أنها وأختها و أخيها الذين زارو والدتهم و التي لم يكن يعلموا بإصابتها ب”كورونا”،كانوا سببًا في نشر العدوى لسبعة وثلاثين فردً غيرهم من أفراد عائلتهم، هولاء المصابون توزعوا بأماكن عزل في ثلاث محافظات مختلفة يربط بينهم الإتصالات الهاتفية لمشاركة الشجون و الإطمئنان على أحوالهم .. اتصلت بالأم بعد خروجهما، عاد جميع المصابين إلى دورهم و لكن ما زال الشحوب يعلو الوجوه و الحزن يسكن النفوس و لم يكن هذا بخفي على الطفل الذي لم يعد يلعب مع أقرانه كما ذي قبل..فما زال يذكر”اللعب عيب و ستي ميتة”.

أنتم حبستوني هنا..أنا العمدة

في أواخر العقد السادس من عمره، أقلته سيارة الإسعاف من بلدته الى المستشفى التي تبعد عنها بأكثر من مائتي كيلو متر، رجل نحيل بجلباب بلدي يرفض أن يفترش فراشه ويقبع تحته على الأرض في وضع القرفصاء، مر يومان منذ حضوره و هو يرفض الطعام والشراب وتناول العلاج، يرفض حتى الكلام ، بعد إلحاح ينفجر غاضبًا “أنا العمدة،أنتم حبستوني ليه هنا،أنا محدش يبقشش علي ويجيبلي أكل، خرجوني من هنا”.. تواصلت مع ابنته التي أعطتني رقم هاتفها إحدى المريضات بالعنبر، وبعد مداولات قُوبلت في البداية بالدهشة من إدارة المستشفى ثم العرض على وزارة الصحة، كانت الموافقة على طلبي بدخول ابنة المريض إلى استراحة عنبر المرضى بعد ارتدائها الزي الواقي وكانت تلك الواقعة الأولى من نوعها، فالرجل كاد يموت من سوء التغذية وليس بكورونا، استجاب الرجل بعدها للطعام و تناول العلاج .. علمت من ابنته أنه عُيّن بالفعل عمدة لقريته بعد خروجه على المعاش بعمله في الشرطة، بعد أيام من خروجه اتصلت بابنته لأعلم أنه تعافى و يلهو مع أحفاده.

حتى التليفون بطلوا يكلموني عليه

كأنها في فترة راحة خلعت قناع الأكسجين تمسكه بيد في لامبالاة، دموعها تسيل في صمت و من خلالها تتسلل نظراتها إلى هاتفها الملقى بجوارها على الفراش، تجلس سيدة تجاوزت الستين من عمرها في غرفة بمفردها لإشتداد أعراض مرضها،على المنضدة بجوارها طعام متكدس تلحظ بسهولة أنه غذاء اليوم و سابقه، تبرر ذلك “مليش نفس”.. لم تستغرق وقتًا لتسكب أهات حزنها التي فاقت أوجاع بدنها” زوجي مات من 3 شهور، تعبت وجابوني هنا من اسبوعين ومن وقتها ولادي محدش سأل علي فيهم،حتى التليفون مفيش فيهم واحد كلمني”.. بعد تجاذب أطراف حديث تخلله محاولات تبرير لإنشغال الأبناء وتناول الأم بعض الطعام، أوصيت بحجز مريضة أخرى في غرفتها لعل تسليها و تهون عنها وحدتها.

طبيب صاحبته كورونا في عطلته

ملتفتًا عن نافذة تطل على النيل،يجلس على فراشه ملقيًا بوجه على راحة يده في صمت مطبق، صورة نموذجية لحالة حزن تستطيع دون خبرة أن تؤكد حداثة الواقعة التي ألمت به، فالشاب منتصف العشيرينات نظراته ذائغة ومقلتيه لا يبدو أن زارتها دموع، تحولت تلك النظرات إلى دهشة عند جلوسي على مقربة منه، وربما كان ذلك السبب الذي خرجت معه كلماته دون تحفظ  “أنا طبيب بقالي سنة واحدة في تخصص العناية المركزة، أنا اشتغلت في كورونا وشوفت خوف المرضى وزمايلي الأطباء والتمريض، لكن عمري ما تخيلت إني أعيش الشعور ده، بالخناق أخدوا منا مسحات في المستشفى اللى بشتغل فيها في القاهرة ونزلت اجازة، وأنا في القطار قبل ما أوصل اتصلوا بي قالولي اني طلعت ايجابي، مرجعتش على أسرتي وعزلت نفسي يومين في شقة منفصلة عند جدتي لحد ما وفروا مكان في المستشفى هنا، أنا كويس مفيش أعراض شديدة بس اللى واجعني أوي ولا يمكن أنساه خوف الناس مني، تخيل أن الممرض وهو بيديني الحقنة كان هيكسر الإبرة في علشان باصص بعيد لأنه خايف رغم أنها في العضلة الخلفية، صدقني إحساس صعب أوي”..اتصلت به بعد خروجه من المستشفى باسبوعين، عاد الطبيب إلى عمله ولكن بالتأكيد ليس كما غادره.

كورونا بطل العيد

فضلّت أن أقضي أول يوم العيد في المستشفى بين المرضى، أرصد ظلال كورونا على مشاعرهم بالعيد، بعد صلاة العيد قمت بالمرور على عنابر وغرف المرضى ، بعضهم يشاهد التلفاز دون بوادر إهتمام وأخرين سكنوا جالسين على فراشهم والبعض كان يتحدث مع ذويه عبر الهاتف ، معظمهم جاهد في رسم ابتسامة أثناء رد مقتضب على تهنئتي لهم بالعيد، أعقبه سيل متواصل من الأسئلة عن موعد أخذ مسحات منهم للتحليل وإمكانية خروجهم وتطورات أعراضهم.. الجميع شغلتهم كورونا التي أسرتهم من أهاليهم في عيد الفطر المبارك.

أمثلة من كثيرة..وأشياء أخرى

صديقي، تلك بعض من روايات تجاوزت المائة و نصفها هي عدد نزلاء المستشفى، بعضها أبى أبطالها أن يمزق الفيروس روابطهم وأخرين ترك كورونا بنفوسهم ندبات يصعب على الزمن مداوتها..ضف إليها أشياء أخرى ربما قرأتها مثلي، أوائل مارس الماضي كان عدد المصابين في مصر لا يتعدى الخمسين وفي العالم كله كانت لا تتجاوز العشرة آلاف وحالات الوفاة في مصر لا تتعدى أصابع اليد الواحدة مقابل 3500 تقريبا إجمالي عدد الوفيات في العالم .. وفي الثالث عشر من سبتمبر الجاري أعلنت مصر تخطي المصابين بها عدد المائة وواحد ألف مواطن مقابل أكثر من 29 مليون هو إجمالي عدد المصابين في العالم، وبينما كانت الوفيات بمصر حتى هذا اليوم 5648 وفاة بينما تجاوز العدد الإجمالي للوفيات في العالم 925 الف .. نقابة أطباء مصر أعلنت في 30 مارس الماضي وفاة أول طبيب إثر إصابته بكورونا و يوم 13 سبتمبر نعت الطبيب الخامس والستين بعد المائة، وسجل في نقابة الأطباء بياناتهم قرابة الثلاثة الآف طبيب تعافوا من كورونا، بينما ابتهل الأطباء المرضى بالمستشفيات إلى الله سائلين الشفاء.

جدليات..واهمال واقع

الأعداد التي تعلنها الحكومة وهمية والإصابات أضعاف،قفلوا الجوامع والكنائس وفاتحين النوادي والمقاهي، الفيروس ده مُخلق في معامل الصين، دي الموجة الثانية، لا إحنا لسه في الأولى.. مناقشات جدلية تتخلل متابعتنا لمباريات كرة القدم أو لعب الدومينو و ربما تأثرً بعد قراءة خبر وفاة أو إصابة على صفحات الفيسبوك، برغم أن الحقيقة التي لم يعد يختلف عليها عاقل هي وجود الفيروس، حقيقة أثبتها إصابة أو موت أحد الأشخاص في محيط أحدهم.. برغم كل ذلك تعايش عدم إكتراث ولا مبالاة،إزدحامًا و تلاحم رغم التوصية بضرورة التباعد، أفواه عارية برغم التنبيه بإرتداء الكمامات الواقية، تجول لكبار السن وأصحاب المرضى المزمنة برغم التأكيد على خطورة إصابتهم، حتى في المستشفيات انجرف من بها لسلوك الأغلبية فانفضوا عن حرصهم..ربما يكون إنكارً أو إنتحارً،و بالأغلب لم يعايش هذا المفرط في التهاون تجربة مؤلمة بإصابة أو وفاة أحد المقربين،لم يكترث لملايين المصابين و مئات الالوف من ضحايا الفيروس اللعين..لم يعي بعد أن الحياة بأكملها و العالم أجمعه قد يعني له شخص واحد قد يُفقده إياه هذا الفيروس.
ختامًا أود أن أصرخ لكم أن هذا الفيروس اللعين فرق بين قرناء فاحذروا أن يحرمكم أحبائكم.

…… انتهت رسالة صديقي الطبيب ….

د. أحمد حسين

عضو مجلس نقابة أطباء مصر سابقًا

موضوعات ذات صلة »

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى