أهم الأخبارمنتدي الدكاترة

د. أحمد حسين يكتب: شهداء في السماء ..ومُعذبون في الأرض

العبارات البراقة المُحفزة والصور المهندمة على يافطات الدعاية الإنتخابية للمرشحين، ربما تخفي الحوائط المهدمة والأرصف البالية التي تحمل لوحات تلك الدعاية، أفيشات الأفلام وأسماء الممثلين والممثلات ربما تطلي قاذورات فتخفيها عن أنظارك، وربما لا تلتفت كثيرًا إلى إسم البرنامج مع إثارة ملابس الفنانات التي تستضيفها القناة لتحكي عن قصة إرتباطهن بأزواجهن، أيضًا قد لا تتوقف كثيرًا عند كلمات في القرآن “يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافًا”، أو أخرى في الإنجيل “لا تحكموا حسب الظاهر بل احكموا حكمًا عادلًا”.

أُناس منا ماتوا وهم يؤدون عملًا يزودون فيه خطر عنك، احتسبناهم وأطلقت عليهم الحكومة “شهداء“، وتغنى بهم الإعلام ومدح رئيس الجمهورية صنيعهم، قد تُصدم عندما أُخبرك أن أسر هولاء الشهداء بإذن ربهم يعانون الأمرين ويعيشون البؤس على الأرض بعد أن تجاهلتهم الحكومة ونسيهم المجتمع فتاهت صرخاتهم بين صيحات الهتاف في مباريات كرة القدم ومهرجانات السينما.

خلفوا بوفاتهم أرامل وأطفال عليهم أن يحيوا بمعاش متوسطه الألف جنيه

وسط إمكانيات مادية متردية وضغوط نفسية رهيبة، إلا أن الفريق الطبي المصري قدم و ما زال ملحمة من أعظم ما يكون في درء الخطر عن المجتمع في جائحة فيروس كورونا المستجد، بطولات تضيق مساحات الكتب لسردها، المجهول منها أكثر وأعظم بكثير من المعلوم، وأيضًا المجهول من شهداء الفريق الطبي أكثر بكثير مما أحصته و أعلنته أية جهة.

عشرات المئات على أقل تقدير نصفها في عمر الشباب صعدت أرواحهم الطاهرة وهم يتعرضون للمرضى لمعالجتهم، لم يرحمهم الفيروس اللعين كما لم تكتفي الدولة لأسرهم بنكبة عائلهم فلم تكفيهم بعض مصاعب الحياة، الأطباء والفريق الطبي والأخص من الشباب الذي لم يمضي على بدء حياتهم العملية سوى بضع سنوات خلفوا بوفاتهم أرامل وأطفال عليهم أن يحيوا بمعاش متوسطه الألف جنيه، هم مطالبين من المجتمع كما كان مطالب عائلهم أن يظهروا بمظهر إجتماعي راقي وأن يتعففوا عن السؤال.

رغم التقارير الطبية الرسمية بوفاتهم بسبب الإصابة بمرض كوفيد 19 و المسبب له “فيروس كورونا المستجد”، إلا أن شهادات الوفاة لهم لا يدون بها هذا السبب، كان التفسير من وزارة الصحة بأنه غير مدرج بنظام الميكنة في مصلحة الأحوال المدنية!.. في قانون التأمينات الإجتماعية، المتوفي بإصابة أثناء العمل تستحق أسرته زيادة في المعاش بنسبة 80% “ما يُترجم بحوالي 700 جنيه”، وفي أخر مايو الماضي صدر قرار الإدارة المركزية للجان الطبية بإحتساب الوفاة بكورونا “وفاة إصابية”، ولكن عندما تقدمت أسر شهداء الأطباء لهيئة المعاش لتنفيذ هذه الزيادة، كانت الإجابة بأنهم لا يعلموا شيئًا عن هذا القرار و أن زيادة إصابة العمل غير مطبقة من الأساس -حسب قول بعض الأسر-.

هل جربت أن تجري إتصالًا بهاتفك المحمول و أنت في طائرة تحلق في السماء،إن لم تكن قمت أو لم تستقل طائرة من قبل فحاول أن تقوم بالإتصال بأي مسوؤل في وزارة الصحة أو الهيئة القومية للتأمينات وستعرف النتيجة، أنا قمت مرارًا بالتجربة الثانية لعرض المشكلة و محاولة حلها.

في تعديلات قانون تنظيم شئون أعضاء المهن الطبية الأخيرة،ن ص بإشاء صندوق”تعويض”المصابين والمتوفين نتيجة المخاطر الطبية،كل موارد هذا الصندوق ممولة من مستقطعات رواتب هولاء العاملين في المهن الطبية..هل أتى في خاطرك المثل الشعبي “من دقنه و افتله”..هذا الصندوق لم يفعل حتى تاريخه.

و هناك قانون خاص منذ 2016 بإنشاء صندوق”تكريم”مصابي وأسر شهداء القوات المسلحة والشرطة، كل موارد هذا الصندوق من ضرائب و مستقطعات ورسوم على أنشطة عديدة ومهن مختلفة ما عدا العاملين في الجيش والشرطة، أيضًا هناك تخفيض لأسر الشهداء المستفيدة من هذا الصندوق 50% على جميع وسائل المواصلات الحكومية، ومنح دراسية مجانية ومساكن حكومية واشتراكات في النوادي.

الدولة لا تعني الحكومة ومؤسساتها، بل أعني الحكومة والمجتمع المدني بمؤسساته وأفراده، الجميع مقصر في حق هولاء الشهداء ورعاية أسرهم، لا بد أن تراجع الحكومة قوانينها وقرارتها وتعدل بين شهداء الوطن الواحد، ولا بد أن تنتفض مؤسسات المجتمع المدني بعض الوقت من دعايا الزيف ومهرجانات واحتفالات لا طائل منها، وتقدم دعم حقيقي لأسر شهداء الفريق الطبي، هناك أطفالًا وطلابًا تستطيع المؤسسات التعليمية أن تضمن لهم منح تعليمية مجانية، و هناك مؤسسات طبية تستطيع أن تتكفل بالرعاية العلاجية لتلك الأسر، وهناك شباب لا يجد وظيفة يمكن أن يعيل أسرته إذا وظفته إحدى الشركات.

جائحة كورونا مستمرة، والفريق الطبي الذي ما زال على قيد الحياة يحتاج أن يشعر بالأمان على أسرته إذا ما فارق الحياة أثناء عمله، يحتاج أن يطمئن أن المجتمع الذي قد يموت من أجله سيكون حريصًا على رعاية أسرته من بعده، ولن يتأتى لأحد هذا الآمان و الإطمئنان إلا إذا رأى ولمس رعاية لأسر زملائه الشهداء من قبله.

قد ينتقد البعض أو يهاجم و يرى أن تلك الكلمات تقلل من شأن الفريق الطبي، هولاء يدهنون أجسادهم بالكريمات خشية شمس المصيف، وجلود غيرهم تحترق لتعرضها لقيظ الشمس من خلال ثقوب ملابسهم.. عراة يتوهمون العزة فيروا طلب الحقوق مذلة.

موضوعات ذات صلة »

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى